لطالما ارتبط الحديث عن السكر بتحديد كمية "مقبولة" للاستهلاك اليومي، مما جعل معظم النصائح الشائعة تركز على تقليل عدد الملاعق أو خفض السعرات الحرارية فقط، مع إهمال أنواع السكر المختلفة. على الرغم من أهمية تقليل الكميات، تشير الأبحاث الحديثة بوضوح إلى أن نوع السكر قد يكون له تأثير أكبر على صحة الإنسان من مجرد كميته، وذلك وفقًا لاختصاصية التغذية العلاجية والطب التكميلي نور قهوجي، في حديثها لعنب بلدي.
أوضحت قهوجي أن السكر ليس مادة واحدة، بل هو عائلة كاملة تختلف في تركيبها الكيميائي وطريقة تعامل الجسم معها، وبالتالي تختلف في تأثيرها على الهرمونات والكبد والشهية والصحة العامة. و"الجلوكوز"، بحسب الاختصاصية، هو أبسط أنواع السكريات وأكثرها وضوحًا في تأثيره، فهو السكر الأساسي الذي يستخدمه الجسم لإنتاج الطاقة.
وأضافت قهوجي أنه عند تناول "الجلوكوز"، يرتفع مستوى السكر في الدم بسرعة، مما يدفع البنكرياس إلى إفراز هرمون الإنسولين لنقله إلى الخلايا. وأشارت إلى أن الارتفاعات المتكررة في مستوى السكر بسبب تناول الحلويات والمخبوزات ترهق البنكرياس وتزيد من خطر مقاومة الإنسولين على المدى الطويل. وأكدت أن الجسم يعرف كيفية التعامل مع "الجلوكوز" بوضوح.
أما "الفركتوز" (سكر الفواكه الشائع في العصائر المحلاة وشراب الذرة عالي الفركتوز وبعض المنتجات الصناعية) فله مسار مختلف تمامًا، حيث أن الكبد هو العضو الوحيد القادر على استقلابه، مما يجعله عبئًا على هذا العضو الحساس. وأوضحت أن الإفراط في تناول "الفركتوز" يرتبط بتراكم الدهون حول الكبد، وارتفاع الشحوم الثلاثية، واضطراب الشهية بسبب عدم إفراز الإنسولين بنفس الطريقة المعتادة، ولهذا السبب، يرتبط استهلاك المشروبات المحلاة بالسمنة أكثر من أي مصدر آخر للسكر، بحسب قهوجي.
في المقابل، يظهر السكر الطبيعي الموجود في الفواكه الكاملة في سياق غذائي مختلف، حيث يأتي مع ألياف وفيتامينات ومضادات أكسدة تبطئ امتصاصه وتقلل من تأثيره على الكبد. وأكدت قهوجي أن الفواكه الكاملة ليست مساوية للعصائر، على الرغم من أن كمية السكر قد تبدو متقاربة.
كما أشارت إلى أن بعض الناس يفضلون استخدام العسل أو سكر التمر كبدائل صحية، ورغم أنهما يحملان قيمًا غذائية أعلى قليلًا من السكر الأبيض، فإنهما في النهاية سكريات بسيطة ترفع مستوى السكر في الدم. وأوضحت أن العسل والتمر قد يسببان نفس التأثيرات الهرمونية إذا استهلكا بكميات كبيرة، وأن الفارق الحقيقي يكمن في أن هذه المصادر الطبيعية أقل تصنيعًا وتحتوي على مركبات إضافية مفيدة، وليس لأنها خالية من التأثيرات السلبية.
أكدت قهوجي أن السكر لا يؤثر فقط على الوزن، بل يتداخل مع صحة الأمعاء والميكروبيوم، حيث يؤدي تناول الأنواع المصنعة إلى تغذية البكتيريا المسببة للالتهابات، بينما لا يحدث ذلك بنفس الدرجة مع السكريات الطبيعية المرتبطة بالألياف. وأضافت أن ما يحتاجه الإنسان في تغذيته الحديثة ليس فقط تقليل كمية السكر، بل اختيار النوع الذي يتعامل معه الجسم بأفضل شكل، مشيرة إلى أن الفارق بين شرب كوب عصير صناعي وبين تناول تفاحة كاملة لا يكمن في عدد ملاعق السكر، بل في كيفية تفاعل الجسم معها.
وختمت قهوجي حديثها بالتأكيد على أن القاعدة الذهبية هي أن يكون السكر أقرب إلى طبيعته وبكمية معتدلة، ليكون تأثيره على الجسم ألطف وأكثر أمانًا، معتبرة أنه من الضروري تقليل تناول أنواع السكر الصناعية والمركّزة، حتى لو كانت الكمية المأخوذة منها منخفضة.