الأحد, 30 نوفمبر 2025 05:31 PM

سوريا وصندوق النقد الدولي: تفاؤل حذر وإصلاحات هيكلية مرتقبة

سوريا وصندوق النقد الدولي: تفاؤل حذر وإصلاحات هيكلية مرتقبة

أثارت التصريحات الصادرة عن صندوق النقد الدولي (IMF) في ختام زيارة استمرت أربعة أيام إلى دمشق، من 10 إلى 13 تشرين الثاني الحالي، تساؤلات واسعة في الأوساط الاقتصادية السورية. حمل البيان إشارات متضاربة، جمعت بين تفاؤل حذر وخارطة طريق لإصلاحات عميقة.

بينما أشار البيان إلى "بوادر تعافٍ" في الاقتصاد السوري و"تحسن في الآفاق"، لم يخفِ البيان توجهه نحو برامج التثبيت الهيكلي (SAPs) المعروفة بصرامتها. أثار ذلك نقاشات حول مستقبل الاقتصاد السوري ومسار التحول القادم، وكشف عن خطة للإصلاحات الهيكلية في سوريا تتماشى مع البرامج التي يتبناها الصندوق.

"التعافي" المشروط بالإصلاحات

افتتح الصندوق بيانه بالإشارة إلى تحسن "ثقة المستهلك والمستثمر" و"إعادة الاندماج التدريجي" مع رفع العقوبات وعودة اللاجئين، معترفًا بتبني السلطات السورية "موقفًا ماليًا ونقديًا صارمًا". هذه الإشارات الإيجابية، رغم أهميتها، جاءت مصحوبة بتفاصيل دقيقة حول التحديات والإصلاحات المطلوبة، والتي تشير إلى أن التعافي لا يزال هشًا ويتطلب تدخلًا هيكليًا عميقًا.

يشرح الأكاديمي المختص بالاقتصاد المالي والنقدي ياسر المشعل التحديات الرئيسة التي كشفها البيان، وتتمثل بـ:

  • الديون المتراكمة: هناك حاجة ملحة لتطوير استراتيجية لمعالجة ديون سوريا المتراكمة وتعزيز إدارة الدين العام.
  • النظام الضريبي: يجب الدعوة إلى نظام ضريبي "بسيط وتنافسي وسهل الإدارة"، مع تجنب "الإعفاءات السخية" التي تفتح الباب أمام "التحكيم والتهرب".
  • الحوكمة والالتزامات الطارئة: التأكيد على ضرورة الالتزام "بمعايير الحوكمة الرشيدة" في إعادة هيكلة المؤسسات المملوكة للدولة والمشاريع الكبرى، ومراقبة "الالتزامات الطارئة المحتملة" التي قد تثقل كاهل الموازنة.
  • القطاع المالي: الحاجة إلى تطوير إطار للسياسة النقدية لضمان "تضخم منخفض ومستقر"، وإعادة تأهيل أنظمة الدفع والمصارف، وإعادة بناء القدرات في البنك المركزي.
  • ندرة البيانات: الإقرار بأن "البيانات الاقتصادية الموثوقة تظل نادرة"، وهو ما يعوق صياغة ومراقبة السياسات الاقتصادية الفعالة.

الصندوق: تثبيت معدلات التضخم وليس تخفيضها

ذكر صندوق النقد الدولي في بيانه أن الهدف المعلن من زيارة فريقه إلى سوريا هو "تقييم الوضع الاقتصادي، ومناقشة أولويات الإصلاح المالي والنقدي مع السلطات السورية، وتعزيز التعاون في مجال بناء القدرات الفنية"، معتبرًا أن لدى هذه السلطات، ما وصفها بـ"افتراضات واقعية وطموحة في الإيرادات والتمويل".

الأمر اللافت، ما أكده الصندوق حول بدئه مناقشات مع سوريا لتطوير "إطار" للسياسة النقدية يضمن "استقرار التضخم"، وليس العمل على تخفيض معدلاته، وهو ما يوضحه الخبير المشعل، بوجود ما اعتبره "خفايا في البيان" تتمثل بـ"التثبيت الهيكلي في ثوب المساعدة الفنية" من قبل الصندوق.

ورغم أن البيان يشدد على أن البعثة لن تسفر عن "مناقشة في المجلس"، وأن التركيز هو على "المساعدة الفنية" و"بناء القدرات"، فإن طبيعة الإصلاحات المطلوبة تتطابق جوهريًا مع ركائز برامج التثبيت الهيكلي التي يفرضها الصندوق عادة على الدول المقترضة، ويؤكد الخبير ذاته أن برامج التثبيت الهيكلي تقوم على مبدأين أساسيين، هما التثبيت الاقتصادي (للسيطرة على التضخم والعجز) والإصلاح الهيكلي (لتحرير الأسواق وزيادة الكفاءة).

عجز آخر في البيانات الاقتصادية

مع تقديم الدعم الفني من قبل الصندوق الدولي لتحديث التشريعات المصرفية السورية، وإعادة تأهيل أنظمة الدفع والبنوك، يمكن بناء قدرات البنك المركزي في تنفيذ السياسات النقدية والإشراف على النظام المالي، بحسب ما أوضحه في بيانه.

ولكن الصندوق أقر بندرة البيانات الاقتصادية السورية الموثوقة، وهو ما يعوق صياغة ومتابعة السياسات الفعالة، ولذلك سيعمل على تحسين الإحصاءات الوطنية، بما يمهد لاستئناف مشاورات المادة الرابعة من ميثاق عمل الصندوق والتي لم تُجرَ في سوريا منذ عام 2009.

ويرى الأكاديمي السوري أن هناك مجموعة من الركائز في برامج التثبيت الهيكلي، يقابلها عدد من الإصلاحات المقترحة في البيان وهي:

  • الضبط المالي (Fiscal Consolidation)، ويقابله من الإصلاحات تحسين إدارة المالية العامة، وتشريع ضريبي جديد، ومعالجة الديون.
  • التحرير والخصخصة (Liberalization & Privatization)، وتقابلهما إعادة هيكلة المؤسسات المملوكة للدولة، والحوكمة الرشيدة.
  • التثبيت الاقتصادي (Economic Stabilization)، ويقابله تطوير إطار للسياسة النقدية لخفض التضخم.

وفي مؤشر على مبدأ "تطبيق الإصلاحات المالية والنقدية مقابل الدعم"، قال الخبير المشعل، إن الصندوق كان واضحًا من خلال التأكيد على التزام بعثته بدعم جهود السلطات السورية لإعادة تأهيل الاقتصاد والمؤسسات الاقتصادية، وإنه "تمت مناقشة خارطة طريق تفصيلية للإصلاحات في القطاعين المالي والنقدي، بما يسهم في تنسيق الجهود مع شركاء التنمية".

"المساعدة الفنية" شروط من صندوق النقد

يرى الدكتور المشعل أن التركيز على إصلاحات، مثل هيكلة المؤسسات المملوكة للدولة، وتطوير نظام ضريبي جديد، وتعزيز الحوكمة، يمثل تحولًا عميقًا في البنية الاقتصادية للدولة، وهو ما يتجاوز مجرد "المساعدة الفنية" من قبل الصندوق ليصبح "شروطًا مسبقة لاندماج سوريا الكامل في النظام المالي العالمي، والحصول على أي تمويل دولي مستقبلي"، بحسب قوله.

بيان الصندوق يؤكد أيضًا أن تحسين البيانات الإحصائية سيساعد في تمهيد الطريق لاستئناف "مشاورات المادة الرابعة"، التي توقفت مع سوريا منذ عام 2009.

ما مشاورات المادة الرابعة

أوضح الخبير الاقتصادي السوري أن المشاورات هي "مراجعات سنوية إلزامية يجريها الصندوق لتقييم صحة الاقتصاد الكلي للدول الأعضاء"، ويعني استئناف هذه المشاورات أن سوريا ستخضع لرقابة دورية صارمة من الصندوق، وهو ما يمثل خطوة حاسمة نحو الالتزام بالإصلاحات المطلوبة.

وأشار الأكاديمي السوري إلى أنه يمكن قراءة بيان صندوق النقد الدولي على أنه إعلان عن "مرحلة ما قبل التثبيت الهيكلي للاقتصاد السوري".

وتابع، "بينما لم يتم الإعلان عن برنامج قرض رسمي، فإن المطالبة بإصلاحات مالية وضريبية ومؤسسية عميقة، تحت غطاء المساعدة الفنية، تضع سوريا على مسار لا رجعة فيه نحو تبني سياسات اقتصادية تتوافق مع أجندة الصندوق العالمية".

وعلى الحكومة السورية، بحسب أستاذ الاقتصاد، أن تدرك أن هذه الإصلاحات، رغم ضرورتها، ستكون مصحوبة بتكاليف اجتماعية وسياسية يجب إدارتها بعناية فائقة لضمان أن يكون "التعافي" شاملًا وعادلًا.

المركزي والمالية: لا للديون من الصندوق والبنك الدوليين

لمعرفة ما إذا كانت سوريا بصدد التقدم لقرض من صندوق النقد الدولي (وفي ظل عدم وجود تصريحات سورية حديثة بهذا الشأن)، ينبغي العودة إلى موقف المركزي والمالية في سوريا حيال الموضوع، حيث سبق أن أكد حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، في تموز الماضي، ضمن تصريحات صحفية، أن "سوريا، وبأمر من الرئيس أحمد الشرع، لن تلجأ إلى الديون الخارجية، ولن تكون هناك استدانة من صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي".

وكذلك وزير المالية السوري، محمد برنية، المسمى (بمرسوم رئاسي) "محافظًا لسوريا لدى كل كيان قانوني تابع لمجموعة البنك الدولي"، أكد في حزيران الماضي، ضمن حوار خاص مع عنب بلدي، ما ذهب إليه حاكم المركزي السوري (لاحقًا) بأن سوريا ليست بوارد الاقتراض من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في المرحلة الحالية.

وأشار برنية آنذاك إلى أن جميع المنح التي تتلقاها سوريا من هاتين المؤسستين هي مساعدات مجانية على شكل أموال، ودعم فني، وبناء قدرات وتدريب، وتأهيل للكوادر السورية، وليس هناك أي شروط يجب على سوريا الالتزام بتنفيذها لتقديم المنحة لها.

وبحسب الوزير، فإن برامج الإصلاح الاقتصادي والمالي والنقدي في سوريا تنطلق من نفسها وقناعاتها وقدراتها وإدراكها لأوضاعها، وهذه البرامج كلها ملك الدولة السورية، وهي من تضعها وتنفذها، وتشرف عليها وتتابع تنفيذها وتتلقى النصح والمشورة التي تراها مناسبة لها، معربًا عن تقدير سوريا وشكرها للدعم المقدم من صندوق النقد والبنك الدوليين، في عملية الإصلاح المالي والاقتصادي، وعن الأمل بأن تتجنب كل وسائل الإعلام سوء الفهم حول العلاقات بين سوريا والمؤسسات المالية الدولية.

ولكن وزير المالية السوري اختتم بالقول، "في حال قررنا أن نقترض يومًا فسوف نصارح شعبنا ونكون شفافين في شرح الأسباب، والتمويل المقدّم سيذهب لأغراض مشروعات استراتيجية لا يمكن تمويلها بشكل كامل من استثمارات خاصة".

وكان برنية، وفقًا لمنشوراته على "لينكد إن"، قال في 18 من تشرين الأول الماضي، ضمن اجتماع مع نائب رئيس البنك الدولي لشؤون التمويل الإنمائي، أكيهيكو نيشيو، إن سوريا تسعى للحصول على نحو مليار دولار من البنك الدولي على شكل منح (ليست قروضًا، ولم يحدد عددها) في السنوات الثلاث المقبلة.

عنب بلدي – وسيم العدوي

مشاركة المقال: