الإثنين, 1 ديسمبر 2025 12:06 AM

جدل مستمر: تصريحات الفنانين السوريين تثير الانقسام وتعمق الخلافات

جدل مستمر: تصريحات الفنانين السوريين تثير الانقسام وتعمق الخلافات

منذ سقوط النظام السوري السابق، لم تتوقف موجات الجدل على وسائل التواصل الاجتماعي بشأن تصريحات الفنانين السوريين حول الوضع السياسي. يتصدر هذا النقاش عدد من الأسماء المعروفة التي أبدت دعمها لرئيس النظام السابق بشار الأسد، مثل سلاف فواخرجي، وشكران مرتجى، وباسم ياخور، وكندة حنا، وسوزان نجم الدين.

هذه التصريحات، سواء في مقابلات تلفزيونية أو ظهور إعلامي أو منشورات شخصية، أصبحت مادة يومية متداولة بين الجمهور، الذي يعبر عن استنكاره لها، مما يثير تساؤلات حول علاقة الفنان بالشأن السياسي.

فنانون يثيرون الجدل

الفنانة سلاف فواخرجي معروفة بمواقفها الداعمة للنظام السوري السابق، والتي استمرت حتى بعد سقوطه. وخلال ظهورها على قناة "المشهد"، قالت إن "الأسد شريف، ويجب أن يحاكم إن كان يستحق ذلك، ولكن بشرط وجود قضاء وقانون وعدالة".

الفنانة شكران مرتجى و سيف السبيعي تناولا الوضع السياسي في سوريا، وتحدثا عن هيمنة اللون الواحد على السلطة، في حلقة من برنامجها "أو لا لا".

من جانبه، اعتبر نقيب الفنانين السوريين، مازن الناطور، أن سلاف فواخرجي أساءت لنفسها قبل أن تسيء لجمهورها، ولكنه يراها "إنسانة محترمة وفنانة راقية، ولا يوجد تجاهها أي شيء شخصي أو كيدي"، وما زال يعتبرها فنانة "مرموقة نعتز بها". وكانت نقابة الفنانين السوريين قد أصدرت قرارًا بفصل سلاف فواخرجي من النقابة في 16 نيسان الماضي.

وأكد الناطور أن شكران مرتجى زارت مبنى النقابة وجرى حديث مطول بينهما، مشيرًا إلى أن ما يحدث تجاهها هو نتيجة آلاف الحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي التي تهدف إلى بث الخلاف بين السوريين، وأنه ضد الحملة الموجهة لها.

كما توقف مازن الناطور خلال الحوار عند اعتذار الفنان أيمن زيدان، واصفًا إياه بأنه كان "في قمة الذكاء والنبل"، بينما علق على اعتذار سوزان نجم الدين قائلًا: "السرعة في الاعتذار ومحاولة التباكي ما حبيتها.. وبصراحة ما صدقتها".

التصريحات المناطقية.. الخطر الأكبر

نوع آخر من التصريحات أثار استنكارًا واسعًا، وهي تلك التي تحمل نبرة مناطقية، وآخرها تصريحات الفنان السوري جلال شموط، حول انزعاجه من المشهد الجديد في ساحة الأمويين بدمشق، منتقدًا الوجود الكثيف لأبناء مدينة إدلب في المنطقة.

وقال شموط إن مظاهر التنزه والازدحام في ساحة الأمويين لا تشبه الدمشقيين (الشوام)، معربًا عن استيائه من الوضع العام في الساحة.

ودعت نقابة الفنانين السوريين إلى التحلي بالمسؤولية والدقة في تصريحات الفنانين الصحفية والإعلامية، "لتعزيز السلم الأهلي ودفع عجلة النهوض، بدلًا من التسبب في تشويش لا معنى ولا مبرر له"، بحسب تعبيرها. وأكدت النقابة رفضها لأي تصريح يصدر من أي فنان يعزز فكرة "المناطقية"، أو يحتوي أي نوع من أنواع التمييز بين السوريين، سواء كان هذا الفنان عضوًا في النقابة أم لا، بحسب بيان نشرته في 18 تشرين الثاني على صفحتها عبر فيسبوك.

هذا النوع من الخطاب، كما قال الناقد الفني جوان الملا، يعد "غير صحي" في مرحلة يحتاج فيها السوريون إلى لمّ الشمل لا تعميق الانقسام. ويحمّل الملا جزءًا من المسؤولية للإعلام الذي يطرح هذه الأسئلة ذات الطابع الضاغط، خلال مقابلات مع فنانين لا يرغبون أصلًا بالخوض في هذا النوع من النقاشات، الأمر الذي يدفعهم إلى ردود قد تتحول لاحقًا إلى أزمة. ويرى أيضًا أن على الفنان أن يرفض هذه الأسئلة، وأن يحصر النقاش بفنه ومهنته أو الإجابة بحيادية، لأن هذه التصريحات تؤذي جميع الأطراف المتعلقة، سواء الفنان أو جمهوره أو عامة الشعب.

خطاب المناطقية للفنانين السوريين غير صحي في مرحلة يحتاج فيها السوريون إلى لمّ الشمل لا تعميق الانقسام.

جوان الملا

ناقد فني

الرأي السياسي وموقف الجمهور

تصريحات الفنانين بحد ذاتها ليست جوهر الأزمة دائمًا، بل ردود فعل الجمهور عليها، فالحالة الجماهيرية اليوم تبدو في تشنج شديد، يحمّل التصريحات أكثر مما تحتمل، ويضفي عليها أبعادًا أكبر من مضمونها، بحسب ما قاله الصحفي والناقد الفني جوان الملا.

ويرى الملا أنه في عدد من الحالات، تتخذ ردود الفعل منحى هجوميًا أو مبالغًا فيه، ما يخلق شرخًا بين الفنان وجمهوره، ويوسّع من دائرة الجدل بدل تهدئتها.

يعارض نقاد الفن والمعنيون بالشأن الفني والسياسي، خوض بعض الفنانين السوريين في تصريحات ونقاشات سياسية ساخنة، قد تعارض توجهات الجمهور ومواقفه. ويرى الناقد الفني جوان الملا أن الفنان ليس مُطالَبًا أساسًا بإعلان موقف سياسي مباشر، خصوصًا في بلد كسوريا يعيش حالة سياسية "ضبابية" ومتغيرة، فالتعبير عن الرأي قد يتحول إلى عبء ثقيل على الفنان، ويؤثر على قاعدته الجماهيرية وامتداد حضوره الفني.

واضطر بعض الفنانين في مراحل سابقة لمجاراة النظام بحكم دكتاتوريته وطبيعة المرحلة السياسية، وهو ما يجعل تقييم مواقفهم اليوم مسألة حساسة ومعقدة.

مهمة الفنان الأساسية لا تتعلق بالآراء السياسية، وإذا اضطر لإبداء موقف ما، يجب أن يكون ذلك بعيدًا عن المباشرة، لأن الوضوح الزائد قد يزعزع علاقته مع الجمهور ويحدّ من تأثيره الفني.

أضاف الملا أن الاستثناء الوحيد هو عندما يزج الفنان نفسه في نشاط سياسي مدني واضح، كما فعلت الفنانة يارا صبري والفنان جمال سليمان، في هذه الحالة يصبح الموقف مفهومًا ومتسقًا مع مسار الفنان. وأشار إلى أن الفنان يجب أن يحافظ على أكبر قدر ممكن من الحياد، ليس تهربًا من المسؤولية، بل للحفاظ على دوره الأساسي كصانع فن وثقافة، وليس كناشط سياسي.

"تتغير قيمة الفنان لدى جمهوره، بناء على تصريحاته السياسية"، التي تترك أثرًا قويًا لدى الجمهور، إلا أن تأثيرها، وفق الناقد الفني جوان الملا، غالبًا ما يكون لحظيًا، فالإعلام الرقمي سريع، والموضوعات المتداولة تتبدل باستمرار، ما يمنح الفنان فرصة لاستعادة مكانته من خلال أعمال جديدة أو ظهور أكثر اتزانًا. فالهوية الفنية تُبنى بالأساس على جودة الأعمال والرسائل الثقافية التي يقدمها الفنان، لا على مواقفه السياسية مهما كانت حدتها.

مشاركة المقال: