الأحد, 30 نوفمبر 2025 03:58 PM

العباءة السورية: من رمز للوجاهة في مملكة الأنباط إلى تحديات العصر الحديث

العباءة السورية: من رمز للوجاهة في مملكة الأنباط إلى تحديات العصر الحديث

عنب بلدي – عمر علاء الدين – في المناسبات الخاصة، يحرص العديد من السوريين على إخراج أزيائهم التقليدية من مخازنها، وغالبًا ما تكون العباءة الرجالية قطعة أساسية من هذه الأزياء التي يتم الاعتناء بها بشكل خاص. تشتهر العباءة في معظم المناطق السورية، حيث يُنظر إليها على أنها لباس تقليدي يمثل الموروث الشعبي المرتبط بالعرب والقبيلة والكرم، بالإضافة إلى العراقة والأصالة والمكانة الاجتماعية والوقار.

تواجه صناعة العباءات اليوم تحديات اقتصادية كبيرة تهدد باندثارها، وذلك بسبب ارتفاع تكلفة المواد الأولية وتوجه المستهلكين نحو الموديلات الحديثة، مما أدى إلى تراجع في مبيعات العباءات، وفقًا لرصد أجرته عنب بلدي.

العباءة.. تاريخ عريق

لم تكن الأزياء التقليدية في المجتمع السوري مجرد كساء يستر الجسد، بل كانت تمثل منظومة دلالية معقدة تعكس مكانة الفرد في المجتمع وقيمه، كما أنها تحمل خطابًا رمزيًا يتجاوز المظهر إلى الجوهر، ويتقاطع فيه الاقتصاد مع السياسة والتنوع الاجتماعي مع الدين، وذلك وفقًا لدراسة نشرها المركز الديمقراطي العربي للباحث والمؤرخ السوري طالب الدغيم.

وفي حديثه لعنب بلدي، أوضح الدغيم أن العباءة جزء من اللباس العربي القديم والهوية الثقافية للمجتمع السوري، وأنها كانت ترتديها القبائل النبطية والآرامية في بلاد الشام. يذكر أن مملكة الأنباط امتدت من القرن الرابع قبل الميلاد حتى عام 105م، وشملت أطراف الفرات والأقسام الجنوبية من فلسطين وحوران وأدوم ودمشق وسيناء، وفقًا للموسوعة العربية.

تُرتدى العباءة اليوم في معظم المناطق السورية، وخاصة في الجزيرة والبادية في دير الزور والحسكة والرقة وحوران والسويداء وإدلب وريف حلب وريف حمص وحماة وريفها، بحسب الباحث طالب الدغيم.

في العهد العثماني (1299-1923 م)، أصبحت العباءة لباسًا للوجهاء وشيوخ العشائر، تعبر عن مكانتهم الاجتماعية ورمزيتهم، كما ذكر المؤرخ السوري. وأضاف أنه في فترة الانتداب الفرنسي، لم يقتصر ارتداء العباءة على شيخ القبيلة، بل شمل المختار أيضًا، وهو الزعيم المحلي الذي يختاره أهل القرية أو المدينة الصغيرة.

العباءة رداء خارجي طويل يُلبس مفتوحًا من الأمام فوق الملابس اليومية أو الزي الرسمي. غالبًا ما يكون مصنوعًا من الصوف الخفيف أو الثقيل، ويُعرف بوجود تطريزات وزخارف عليه، مثل الحواشي الذهبية أو الفضية، والتي تُعرف باسم “الجوخ”.

طالب الدغيم

باحث ومؤرخ سوري

منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى الآن، أصبحت العباءة لباس المناسبات، خاصة حفلات الصلح والزواج، ولا يزال العريس يرتديها حتى الآن، وهي تعبر عن الوقار بالدرجة الأولى، كما أصبحت لباسًا لكبار السن وبعض رجال الدين ومشايخ المنابر، وفقًا للباحث والمؤرخ السوري طالب الدغيم.

تتنوع العباءات، فهناك العباءة الشتوية المصنوعة من الصوف الثقيل، والتي تُرتدى في البرد، وغالبًا ما تكون باللون الأسود أو البني أو الرمادي. وهناك أيضًا العباءة الصيفية الخفيفة، ويكون لونها غالبًا أسود رقيقًا أو “بيج”، إضافة إلى تلك الأنواع من العباءة الذهبية أو الرسمية المطرزة بالذهب، والتي تلبس عادة في المناسبات الخاصة.

تراجع في الصناعة وغلاء في الأسعار

قامت عنب بلدي بجولة في أسواق الحميدية وباب الجابية والصوف، حيث تنتشر المحال المتخصصة في بيع العباءات الرجالية. ويتراوح سعر العباءة، وفقًا لما رصدته عنب بلدي في سوق الصوف، بين 15 و200 دولار أمريكي، حسب جودة الصناعة وطريقتها والمواد المستخدمة.

قال أبو عمر الجاجة، صاحب محل تجاري للعباءات، إن العباءة ذات الـ15 دولارًا، والتي تصل قيمتها بالليرة السورية إلى 180 ألف ليرة، هي الأكثر رواجًا نظرًا لرخص ثمنها، وأنها مشغولة آليًا من الصوف الصناعي. بينما يصل سعر العباءة الفاخرة التي تعتمد بشكل جزئي على الآلة والمشغولة من الصوف الطبيعي، بحسب أبو عمر، إلى 200 دولار (مليونان وأربعمئة ألف ليرة سورية) بناء على سعر صرف 12 ألف ليرة سورية للدولار الواحد.

وأشار البائع إلى أنه مع غلاء الأسعار والوضع الاقتصادي الصعب لمعظم الناس، تراجعت التجارة، وأصبحت تعتمد بالكامل على السياح وما يتم بيعه لمن لديهم مناسبات (خطوبة، زواج)، ويتم بيع العباءات الصناعية الرخيصة فقط، أما تلك الفاخرة فهي بناء على الطلب الخارجي.

كما أشار أبو عمر إلى التهديدات التي تحيط بمهنة صناعة العباءات ككل، من أبرزها قلة الحرفيين والعاملين، وغلاء المواد الأولية من قطن وصوف وحرير، إضافة إلى انتشار الملابس الشتوية الرخيصة الموافقة للموضة مع تراجع اللباس التقليدي.

يرى الباحث والمؤرخ السوري طالب الدغيم، في دراسته للأزياء التقليدية السورية، أن لحظة اندثار الزي التقليدي السوري بعد منتصف القرن العشرين كانت علامة ثقافية فارقة في تحول المجتمعات من البنية التقليدية إلى بنية حداثية عالمية، تقودها الحركات القومية، وتُهيمن عليها سرديات الدولة الحديثة. وقد أدت موجة التحديث، بتجلياتها العمرانية والمؤسساتية والتعليمية، إلى انزياح تدريجي في نظرة الأفراد لأنفسهم، حيث صار اللباس الغربي يجسد صورة “المواطن العصري” القادر على مواكبة الإيقاع العالمي.

وأسهمت الصناعة الحديثة في إنتاج ملابس جاهزة زهيدة التكلفة، ما أدى إلى انحسار الدور الاقتصادي والاجتماعي للحرفيين، كالخياطين والمطرزين والنساجين المحليين، وفق الدراسة.

مشاركة المقال: