عنب بلدي – كريستينا الشماس – شكّل "الحكواتي" جزءًا لا يتجزأ من الحياة الاجتماعية في مقاهي دمشق منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى العقود الأخيرة من القرن العشرين. كان يُعتبر مهنة شعبية تجمع بين فن السرد الشفهي ودور الوسيط الثقافي في الحي.
لطالما ارتبط حضور "الحكواتي" في المقاهي الدمشقية بمساحات اجتماعية أوسع، حيث كان منصة لنقل حكايات السِيَر الشعبية، وتبادل الأخبار، وتشكيل مزاج جماعي حول قصة تُروى على مراحل، وتتفاعل معها فئات عمرية واجتماعية متنوعة.
على الرغم من أن "الحكواتي" لا يزال حاضرًا في الذاكرة الشعبية، إلا أن حضوره الفعلي يتراجع بشكل ملحوظ، في عصر أصبح فيه الجمهور متلقيًا مشتتًا بين المنصات الرقمية اللامحدودة والمحتوى السريع الذي لا يتيح التأمل في اللحظات التي كان فيها "الحكواتي" يرفع صوته أو يخفضه لجذب الانتباه.
منبر خشبي وطقوس أصيلة
يستذكر الباحث في التراث الدمشقي، الدكتور أنس تللو، في محاضرته حول التراث الدمشقي التي تلقت عنب بلدي نسخة منها، أن المقاهي القديمة في دمشق كانت تعتمد في تصميمها الداخلي على منبر خشبي أنيق مفروش بالسجاد وتحيط به أصص نباتية، وهو المكان الذي يتخذه "الحكواتي" موقعًا أساسيًا له.
كان "الحكواتي" من الشخصيات الشعبية البارزة في المدينة، يعتمد على ذاكرة قوية في حفظ الحكايات وإلقائها دون نص مكتوب. ازدهرت مهنته مع انتشار المقاهي التي تجاوز عددها المئة آنذاك، حيث كان يرتاد مكانًا محددًا في وقت ثابت لتقديم حكايته اليومية.
ويضيف تللو أن "الحكواتي" لم يكن يبدأ السرد مباشرة، بل يقدم ما كان يُعرف بـ"دهليز الحكاية"، وهي مقدمة قصيرة تُلقى ريثما يصل المتأخرون، وتتضمن طرائف خفيفة ونصائح موجزة، يليها تلخيص لأحداث الليلة السابقة على نحو يشبه أسلوب التذكير في المسلسلات الحديثة، قبل أن يتوقف عمدًا عند لحظة حاسمة لدفع الجمهور إلى العودة بشغف في اليوم التالي.
ويستعيد تللو قدرة "الحكواتي" على إثارة الحماسة عبر الحركة الجسدية، إذ كان بعض "الحكواتية" يغادرون المنبر وينزلون بين المستمعين، حاملين سيفًا أو خيزرانة يلوحون بها فوق الطاولات وكأنهم يجسدون شخصية البطل. وأشار إلى أن بعضهم كان يستخدم أكثر من لغة، بين العربية والتركية، مراعاة لتنوع رواد المقاهي.
ويوضح تللو أن الحكواتي كان يروي سِيَرًا شعبية كقصة الظاهر بيبرس وعنترة بن شداد وسيف بن ذي يزن، وأنه على الرغم من أمّيته في معظم الأحيان، كان قادرًا على خلق عالم حكائي كامل يستغرق المستمعين في خيال متشابك التفاصيل.
الحكواتي فنان متعدد الأدوار في آن واحد: مؤلف، وممثل، ومخرج، ومهندس ديكور، ومدير إنتاج، مع القدرة على تحويل المقهى إلى مسرح حي من دون تقنيات، وبجاذبية تفوق ما تعرضه بعض الفضائيات اليوم.
أنس تللو
باحث في التراث الدمشقي
ذكريات "حكواتية" متوارثة
تظهر الذاكرة المتناقلة بين الأجيال أن "الحكواتي" لم يكن مجرد راوٍ، بل كان جزءًا من المشهد الاجتماعي في الأحياء الدمشقية. يستعيد عمر قجي (33 عامًا) من حي الشاغور، ما كان يسمعه من جده عن "الحكواتي" الذي اعتاد أن يروي تفاصيل دقيقة من قصص البطولة الشعبية.
وكان الجد يكرر مشاهد معينة من السيرة كما لو أنها ما زالت تعرض أمامه حية، مشيرًا إلى أن الطريقة التي حفظ بها الجد تلك التفاصيل تعكس قوة الأسلوب الذي كان يعتمد عليه "الحكواتي" في استثارة الخيال.
ووصف لؤي البيطار (أبو محمد)، رجل سبعيني عاش شبابه في حي القنوات، مشهد "الحكواتي" بأنه "مدرسة صبر"، فالمستمع كان ينتظر التفاصيل ويتفاعل مع الإيقاع، ويستمتع بلحظة الذروة التي تتراكم ببطء.
ويروي "أبو محمد" أن الناس كانوا ينسقون أعمالهم اليومية كي لا يفوتوا اللحظة التي ترتفع فيها نبرة "الحكواتي" عند ذروة الحدث، معتبرًا أن هذه اللحظات أصبحت جزءًا من ذاكرة المكان لا مجرد ترفيه. ويعتقد "أبو محمد" أن هذا النوع من المتعة لم يعد ممكنًا اليوم، "فالزمن الجميل ولّت أيامه"، بحسب تعبيره.
هل يعود "الحكواتي"؟
يواجه "الحكواتي" اليوم بيئة لا تشبه الإطار الذي تشكلت ضمنه مهنته لعقود، إذ فقدت المقاهي دورها كمكان رئيس لتلقي الحكايات الجماعية، بعد انتشار الهواتف الذكية والمنصات الرقمية، ما دفع الجمهور نحو أنماط فردية في متابعة المحتوى.
وبالتالي، أضعف هذا التحول الركيزة الأساسية التي كان يقوم عليها "الحكواتي"، والمتمثلة في التفاعل المباشر وبناء الحكاية على مراحل يحضرها الجمهور بشكل متتابع.
برزت محاولات لإعادة تقديم "الحكواتي" بوسائل معاصرة ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، من بينها تجربة محمد مؤمن الذي عمل على إنتاج مقاطع قصيرة تستعيد دور "الحكواتي" في صيغة مدمجة تتوافق مع إيقاع الوسائط الحديثة، إلا أنها لم تحصد التفاعل المتوقع.
ويرجع مؤمن ضعف الإقبال إلى أن العنصر الجوهري لـ"الحكواتي" لم يكن قائمًا على محاكاة الشكل، بل على بيئة متكاملة تشمل المكان والجمهور وطبيعة الجلسة.
وأشار مؤمن إلى أن الحكاية التي يقدمها "الحكواتي" تحتاج إلى وقت ومساحة للتطور، بينما تميل المنصات الرقمية إلى محتوى مختصر يفضله المستخدم، بسبب إيقاع المتابعة السريع.
يرى مؤمن ضرورة إعادة إحياء "الحكواتي" ضمن صيغ جديدة، مثل العروض التفاعلية للحفاظ على الفكرة الأساسية في قيمة السرد الشفهي، مع تكييف طريقة تقديمه بما يتوافق مع جمهور اليوم دون التخلي عن جوهر المهنة.