في غرفة صغيرة بأحد مشافي حلب، تراقب عائشة الحسن، بعيون مرهقة، قطرات الدم وهي تسيل ببطء عبر الأنبوب المتصل بجسدها. تقول بصوت خافت: "أحتاج إلى جرعة دم جديدة كل خمسة عشر أو عشرين يومًا." لكن رحلتها العلاجية تصطدم بواقع نقص حاد في بنك الدم، مما يضطرها وعائلتها للبحث بأنفسهم عن متبرعين. وتضيف: "بدون الدم، لا أستطيع العيش."
رحلة عائشة لا تبدأ داخل المشفى، بل قبل ذلك بكثير، فهي قادمة من بلدة تل عرن البعيدة، حيث وسائل المواصلات شبه معدومة. توضح عائشة: "هناك حافلة واحدة فقط تنطلق من ساحة الجامعة، وإذا فاتتنا، نضطر لدفع أجرة سيارة أجرة ترهقنا ماليًا كما يرهقنا المرض جسديًا." وتلخص مطالبها بتأمين الدم وتوفير وسائل نقل مخصصة للمرضى.
بحث يبدأ من المساجد
ما تعانيه عائشة يتكرر مع العديد من المرضى. أم تسنيم، والدة إحدى الفتيات المصابات، تصف الوضع قائلة: "كل أسبوعين نبحث عن متبرع بفصيلة دم محددة، وأحيانًا لا نجد أحدًا. نضطر للذهاب إلى المساجد لمناشدة المصلين لمساعدتنا. في رمضان كان الأمر أسهل، أما اليوم فنعيش أزمة مستمرة منذ ثمانية أشهر."
استجداء الغرباء
يستغيث والد الطفل خالد، المصاب بالتلاسيميا، بمن يسميهم الغرباء لتأمين متبرع لابنه. ويقول لمنصة "سوريا 24": "لكي نحصل على كيس دم واحد، يُطلب منا إحضار متبرعين اثنين على الأقل. نتوسل الغرباء في الشوارع ليوافقوا على التبرع، بينما يعود أطفالنا مرهقين ومتعبين من النزف."
أسباب المرض وطرق العلاج
وفقًا لموقع *Mayo Clinic* الطبي المتخصص، فإن التلاسيميا اضطراب دم وراثي يؤثر على إنتاج الهيموغلوبين، مما يسبب تدميرًا مفرطًا لخلايا الدم الحمراء ويؤدي إلى فقر دم تتراوح شدته بين الخفيف والمهدد للحياة. تظهر الأعراض غالبًا في السنوات الأولى من العمر، ويعتمد العلاج على شدة الحالة، ويشمل نقل الدم، وأدوية للتقليل من تراكم الحديد، وأحيانًا زراعة نخاع عظمي.
أزمة بلا إجابة
على الرغم من محاولات مراسل "سوريا 24" الحصول على توضيحات رسمية من مديرية الصحة في حلب، إلا أن مراسلاته المتكررة لم تلقَ إجابة من قبل المسؤولين في المديرية، كما مُنع من التصوير داخل أروقة المشفى. لتبقى شهادات المرضى وذويهم وحدها تعكس صورة الأزمة، فيما يبذل الكادر الطبي أقصى جهوده ضمن إمكانيات محدودة لا تكفي لتأمين الدم بشكل منتظم.
صرخة جماعية
تتلخص مطالب ذوي المرضى في "تأمين الدم بشكل دوري وثابت، تسهيل المواصلات من وإلى المشفى، وإنشاء بنك دم متخصص لمرضى التلاسيميا."
بين الأمل واليأس
كلما امتلأ كيس دم جديد، تنبض في قلوب المرضى وأسرهم لحظة أمل قصيرة. لكن ما إن يفرغ الكيس، حتى تعود رحلة البحث المضنية عن متبرع جديد. وبين الأمل واليأس، تبقى حياة مئات المرضى في حلب معلقة بانتظار استجابة سريعة تنقذهم من معركة متكررة لا يطلبون فيها أكثر من "قطرة دم".