بعد مرور عام على سقوط النظام السابق، تشهد مدينة حلب مرحلة صناعية دقيقة، حيث بدأت المنشآت بالعودة التدريجية إلى العمل، بالتوازي مع إطلاق الحكومة لبرامج دعم استثماري وتسهيلات تشغيلية. إلا أن الواقع الميداني يشير إلى أن التعافي لا يزال مرتبطًا بقرارات أكثر جرأة، خاصة فيما يتعلق بالطاقة والرسوم الجمركية وسياسات حماية المنتج الوطني.
تتفق شهادات الصناعيين على فكرة رئيسية: الصناعة لم تمت، لكنها ما زالت تكافح لاستعادة مكانتها. يوضح الصناعي فايز النجار لموقع سوريا 24 أن قوة صناعة النسيج تكمن في عملية التصنيع وإضافة القيمة، وليس فقط في المادة الخام. ويضيف: "القطن السوري يجب ألا يباع خامًا، ولا أن يتحول إلى زيت فقط، بل يجب أن يصنع إلى قماش مصبوغ وجاهز للاستخدام".
ويشير إلى أن النسيج كان تاريخيًا "عصب الاقتصاد"، وأن حماية الصناعة تبدأ بمنع تكرار أخطاء الماضي، أي تصدير المواد الخام دون إضافة قيمة محلية. هذه الرؤية تعكس جوهر مطالب الصناعيين: التحول من اقتصاد الكمية إلى اقتصاد الجودة.
في هذا السياق، ساهمت المعارض المتخصصة في إعادة ربط الصناعيين بالتكنولوجيا العالمية. يؤكد عز الدين القاسم، المتحدث باسم معرض "ناستيكس" المقام حاليًا في فندق الشيراتون بحلب، أن المعرض قدم أكثر من 2500 متر من أحدث آلات النسيج، من خطوط الإنتاج الكبيرة إلى الأجهزة الصغيرة، بمشاركة شركات عالمية قدمت منتجاتها للسوق السورية لأول مرة منذ سنوات.
على الرغم من توفر التقنيات، يواجه التطوير تحديات تشغيلية كبيرة، مثل صعوبات النقل، ونقص المياه، وارتفاع أسعار الطاقة، مما يجعل تحديث المعدات غير كاف دون معالجة البنية التحتية التشغيلية.
يقدم الصناعي محمد ويس شرحًا رقميًا لأزمة القدرة التنافسية، مشيرًا إلى أن تكلفة الكيلوواط الساعي في سوريا تتراوح بين 17 و18 سنتًا، بينما لا تتجاوز في دول الجوار 5 إلى 7 سنتات. هذا الفارق يؤثر مباشرة على سعر المنتج النهائي؛ فسعر كيلو القماش في تركيا يبلغ خمسة دولارات، بينما يكلف في سوريا ستة دولارات قبل عرضه في السوق.
ويضيف أن التهريب يقضي على ما تبقى من قدرة الصناعة المحلية، حيث تدخل البضائع الصينية والتركية بأسعار منخفضة ودون حماية جمركية، مما يحول المنافسة إلى سباق أسعار خاسر. ويؤكد أن قطاعات كاملة، مثل الأحذية والأقمشة والجلود، تعاني من شلل شبه كامل بسبب هذه الظاهرة.
في المقابل، يظهر الصناعي محمد جمو نموذجًا معاكسًا، حيث عاد من إسطنبول بعد التحرير وأعاد تشغيل مصنعه في غضون أسبوعين، ثم افتتح ثلاثة فروع في المدينة الصناعية والكلاسة وطريق الباب، ليصل عدد العاملين لديه إلى نحو 120 عاملًا.
يرى جمو، في حديثه لموقع سوريا 24، أن البيئة التشغيلية اليوم أفضل مما كانت عليه قبل سنوات، لكنه يربط النمو الحقيقي بفتح التصدير المنظم، مؤكدًا أنه "بدون تصدير سنبقى نخدم سوقًا محدودة لا تكفي لاستمرار الصناعة".
تحاول الدولة جاهدة تأمين حد مقبول من المقومات لحماية المنتج الوطني، حيث يقول نائب رئيس غرفة صناعة حلب إسماعيل حج حمد لموقع سوريا 24 إن الحكومة تدرس تخفيض أسعار الطاقة بهدف تقليل تكلفة الإنتاج وجعل المنتج المحلي قادرًا على المنافسة، معتبرًا أن هذه الخطوة ستكون نقطة العودة الفعلية للصناعة.
ويشير إلى أن الرسوم الجمركية الحالية على البضائع المستوردة تقع في الحد الأدنى المقبول، وأن هناك دراسة لرفعها لحماية المنتج الوطني من الإغراق التجاري. ويضيف أن القوانين تطبق تدريجيًا، وأن الحكومة مرنة وتتحاور مع الصناعيين.
ويستشهد بحالة المنتجات الصينية قائلًا: "الصيني لا ينافسني بالجودة، لكنه يهزمني بالسعر. وعندما يدخل بلا ضوابط يكون أثره مدمرًا للسوق المحلي، لكنه يخرج سريعًا من المنافسة بسبب انعدام الجودة".
ويختتم حديثه بتشبيه الصناعة السورية بـ"مصارع محطم الأوصال في الحلبة يحاول الخروج منها والتعافي تدريجيًا".
تدعم الأرقام هذا الواقع، فوفقًا لتقرير غرفة صناعة حلب لعام 2024، يوجد 10501 منشأة صناعية مسجلة في المدينة، موزعة على أربعة قطاعات رئيسية: 45% نسيجية، 21% كيماوية، 20% هندسية، و14% غذائية. لكن هذه الأرقام لا تعكس دائمًا تشغيلًا فعليًا، حيث يعمل العديد من المنشآت بنسب جزئية، وبعضها موسمي، بينما بعضها الآخر مغلق مؤقتًا.
في المدينة الصناعية بالشيخ نجار، تعمل نحو 550 منشأة بكامل طاقتها، مقابل 200 منشأة تعمل بطاقة جزئية بسبب التكاليف وعدم استقرار التشغيل. أما منطقة العرقوب فتضم نحو 1400 منشأة بين معامل وورش، إلا أن 10% فقط منها عاد إلى العمل، وغالبًا بطاقة تشغيل لا تتجاوز 10–25%.
يجمع الصناعيون على معادلة واحدة: لا نهضة صناعية بلا ثلاث دعائم واضحة: طاقة مقبولة التكلفة، حماية جمركية للمنتج المحلي، ومسار تصدير منظم. وبينما تتحرك حلب ببطء نحو التعافي، يبقى السؤال: هل تُحل هذه الملفات معًا… أم سيبقى الصناعي السوري يقاتل وحده في الحلبة؟