مع دخول فصل الشتاء وانخفاض درجات الحرارة، يواجه السوريون في مناطق مختلفة صعوبات جمة في تأمين وسائل التدفئة، وذلك بسبب ضعف القدرة المالية على شراء الوقود وتدهور شبكات الطاقة، مما يعيق قدرة الدولة على توفير الكهرباء لفترات كافية لتدفئة المنازل والمدارس والمباني العامة. في سوريا، تحول الدفء من حق أساسي إلى ترف، حيث يضطر الناس للاختيار بين الاحتياجات الأساسية وتكاليف التدفئة الباهظة.
على الرغم من توفر مواد التدفئة هذا الشتاء بشكل نسبي مقارنة بما قبل سقوط نظام بشار الأسد، إلا أن ارتفاع الأسعار يجعل الخيارات المتاحة بعيدة عن متناول الكثيرين، مع اختلاف أنماط التدفئة بين السكان حسب الدخل وطبيعة الأحياء. وفي مخيمات الشمال السوري، الوضع أكثر قسوة بسبب غياب الدعم الإغاثي ونقص الوقود، مما يضطر الكثيرين لاستخدام مواد بدائية وقابلة للاشتعال كالكرتون والنايلون أو الزيوت المستعملة لتوفير القليل من الدفء، مع ما يصاحب ذلك من مخاطر صحية.
تستعرض عنب بلدي في هذا الملف كيفية مواجهة السوريين لشتاء جديد، من المدن إلى المخيمات، والخيارات العملية التي يعتمدونها للتدفئة في ظل اقتصاد يضغط على جيوبهم وغياب سياسة حكومية واضحة لدعم الطاقة، مع تحليل لتداعيات هذه الأزمة على حياتهم اليومية وطرق مقترحة لتخفيف العبء على الفئات الأكثر ضعفًا.
سوريون أمام خيارات التدفئة وقدرتهم الشرائية
لا يملك السوريون خيارات كثيرة لمواجهة برد الشتاء. فبين عدم القدرة على شراء وقود التدفئة (المازوت) أو المراهنة على ساعات وصل الكهرباء مهما ارتفع ثمنها، يعود الكثيرون إلى بدائل بسيطة مثل مدفأة الغاز والحطب، ويختلف الأمر تبعًا لطبيعة الطقس في كل منطقة. ومع أن الخيارات تبدو واسعة نظريًا، فإن ما يعتمده السكان فعليًا غالبًا ما تفرضه ظروف اقتصادية وخدمية لا تمنحهم رفاهية الاختيار.
في دمشق وريفها القريب، يعتمد معظم السكان على مدفأة المازوت، باعتبارها الأكثر ثباتًا في الأداء، إضافة إلى المدافئ الكهربائية على أمل الاستفادة من فترات الوصل المتقطعة، ولو كانت التكلفة أعلى مما اعتادوه. قرر سامي خلف، موظف متقاعد يعيش في منطقة الفحامة، الاعتماد على المازوت هذا العام، شجعه على ذلك انخفاض أسعار المشتقات النفطية، موضحًا أنه لا يملك قدرة المغامرة للاعتماد على الكهرباء، لأن ساعات الوصل لا تسمح بالحصول على دفء ثابت، ولأن التيار يصبح ضعيفًا في أوقات الذروة نتيجة كثرة الأحمال عليه، ولأن المدفأة الكهربائية تستهلك الكثير دون مردود فعلي.
بالمقابل، اختارت هناء معوض، وهي أم لأربعة أطفال، الاعتماد على المدفأة الكهربائية رغم ارتفاع التعرفة، مبررة ذلك بأنه رغم توفر مادة المازوت، فإن الحصول على نوع جيد منه أصبح مرهقًا لها. وترى هناء أن ساعات الوصل، وإن كانت قليلة، تتيح لها تشغيل المدفأة في الفترات الأكثر برودة، خصوصًا أن المبنى الذي تقيم فيه معزول نسبيًا، ما يجنبها الحاجة إلى تشغيل المدفأة طوال النهار.
وفي الريف القريب من دمشق، اتخذت الخيارات شكلًا مختلفًا، إذ يقدم انخفاض سعر الغاز المنزلي فرصة لبعض الأسر للعودة إلى استخدام مدافئ الغاز، بالتوازي مع استمرار الاعتماد على الكهرباء عند توفرها. سيعتمد حسام العرابي، وهو موظف في القطاع الخاص يعيش في منطقة صحنايا، على تشغيل مدفأة الغاز مجددًا بعد تراجع سعر الأسطوانة. ويرى حسام أن ساعات الوصل في الريف لا تشجع الاعتماد على الكهرباء بشكل رئيس، لذلك سيبقى الغاز خياره الأول، مع تشغيل مدفأة كهربائية صغيرة في غرفة الأطفال عندما تتوفر الكهرباء. في حين يعتمد كثير من الأهالي على نظام الطاقة البديلة في تغذية منازلهم بالكهرباء، ويستخدمون المدافئ الكهربائية ذات الاستطاعة المنخفضة، للمحافظة على الجو الدافئ في منازلهم.
الكفة تميل لمصلحة الحطب بالريف
قرر موسى الزعبي، مدرس في منطقة المزيريب بمحافظة درعا، تركيب مدفأة حطب بدل المازوت، لأنه يمنحه دفئًا أكبر، ولا سيما أنه يقيم في طابق علوي مكشوف على الجهة الغربية، ما يجعل منزله أكثر برودة من غيره. وأشار إلى أنه اعتاد تركيب مدفأة حطب في المضافة التي يجتمع فيها مع أصدقائه كل ليلة، مضيفًا أن مشهد احتراق الحطب يمنح جلساتهم طابعًا خاصًا ودفئًا مختلفًا.
على النقيض، اتخذ جبر الحسين قرارًا معاكسًا بعد سنوات من استخدام الحطب، إذ اختار العودة إلى مدفأة المازوت بسبب إصابة زوجته بتحسس من الأدخنة. ولفت إلى أن التكلفة بين المازوت والحطب أصبحت متقاربة، مع وصول سعر ليتر المازوت إلى نحو 9000 ليرة، وكيلو الحطب إلى 3500 ليرة، غير أن استهلاك الحطب أكبر، ما يجعله أكثر تكلفة في نهاية الموسم. ويحتاج جبر إلى 500 ليتر من المازوت، ثمنها يتجاوز أربعة ملايين ونصف مليون ليرة، بينما يحتاج منزله إلى كمية من الحطب تقترب من خمسة ملايين ليرة سورية.
وتبقى الخيارات الأخرى شبه معدومة في درعا، بحسب جبر، إذ يستبعد السكان التدفئة على الغاز بسبب وصول سعر الأسطوانة إلى 120 ألف ليرة، في حين لا تُعد الكهرباء خيارًا قابلًا للاعتماد عليه نظرًا إلى انقطاعها المتكرر وضعف التيار. وتتكرر الإشكالية ذاتها في المناطق الوسطى والشمالية، وإن بصور مختلفة، وبحسب إفادات مراسلي عنب بلدي في محافظتي حلب وحمص، تتجه أغلبية السكان إلى الاعتماد على مدافئ المازوت بعد انخفاض أسعار المشتقات النفطية، الأمر الذي جعل المازوت خيارًا أكثر واقعية مقارنة بالمواسم السابقة.
ومع ذلك، لا يزال جزء من السكان متمسكًا بمدافئ الحطب، إما لأنها أقل تكلفة في بعض الأحياء المتطرفة، وإما لأنها مصدر تدفئة معتاد وتوفر لهم دفئًا ثابتًا في ظل استمرار الانقطاعات الكهربائية. يعزو بعض الأهالي هذا الخيار إلى توفر الحطب في القرى المحيطة وإمكانية شرائه بدفعات صغيرة، وهو ما يخفف الضغط المالي عن الأسر التي لا تستطيع شراء الوقود دفعة واحدة.
وفي السياق ذاته، أفاد مراسل عنب بلدي في الساحل السوري، بأن سكان الأرياف ما زالوا يعتمدون بنسبة تتجاوز 90% على الحطب، نظرًا إلى شدة البرد خلال فترة الشتاء، وتوفر المادة، ما يجعل أي وسيلة أخرى غير ناجعة في تلبية احتياجاتهم بالتدفئة. وبالإضافة إلى الحطب، يتم الاعتماد على ما يسمى تمز الزيتون، وهو بقايا حبات الزيتون بعد عصرها، يُعالج بشكل تقليدي ويُستخدم كوقود لمدافئ مخصصة له. ونتيجة الرطوبة تكون المدن الساحلية القريبة من البحر أعلى حرارة من الريف، ويكتفي القاطنون فيها بالوسائل الأخرى، بحسب قدراتهم الشرائية.
قشر الفستق.. الأرخص و"موضة" شتوية جديدة بحلب
يرى عبد القادر طرابلسي، أحد سكان حي صلاح الدين بمدينة حلب، أن توفر مادة المازوت لم يغير من واقع الناس كثيرًا. وقال عبد القادر لعنب بلدي، إن العائلات كانت سابقًا تعتمد على الكميات القليلة المدعومة، أما العائق اليوم فهو السعر، إذ يتجاوز سعر الليتر سقفًا لا يستطيع معظم السكان تحمله، خاصة أن الأسرة تحتاج إلى عشرات الليترات في الشهر لتدفئة غرفة واحدة على الأقل. أغلب العائلات تشتري بالقدر الذي يسمح به الدخل اليومي، وهو ما يجعل الاعتماد على المازوت خيارًا لا يوفر الدفء الحقيقي خلال فصل الشتاء.
أما غالية مصري، من سكان حي المشهد، فقالت إن الغاز بات خيارًا بديلًا للتدفئة في بعض المنازل، خصوصًا لدى العائلات التي تمتلك مدفأة غاز قديمة. ويصل سعر جرة الغاز إلى نحو 135 ألف ليرة سورية، بينما تحتاج العائلة إلى جرتين شهريًا على الأقل للحصول على تدفئة مقبولة، بحسب غالية.
خيار ثالث برز بقوة هذا العام في أسواق حلب، ويتمثل في مدافئ قشر الفستق، التي يقبل عليها الأهالي بحثًا عن وسيلة أقل تكلفة نسبيًا. وقال بشير قلعجي، أحد سكان حي جمعية الزهراء، إن سعر المدفأة يصل إلى نحو 120 دولارًا، بينما يبلغ سعر الطن من القشر حوالي 240 دولارًا، وهو ما يجعله خيارًا متوسط التكلفة مقارنة بالمازوت أو الغاز. وأضاف أن هذا النوع من التدفئة لا يزال غير شائع في الأحياء الشعبية بسبب التكلفة الأولية للمدفأة نفسها، لكنه أصبح منتشرًا في بعض المناطق الغربية من المدينة.
وبينما كانت المدافئ الكهربائية خيارًا لبعض العائلات في السنوات الماضية، فإن قرار رفع أسعار الكهرباء المنزلية جعل الاعتماد عليها اليوم الخيار الأخير، وربما الأقل واقعية، بسبب قلة ساعات وصل التيار الكهربائي في عموم مدينة حلب، والتي لا تتجاوز في أفضل أحوالها ثماني ساعات يوميًا. وتتفق شهادات الأهالي على أن التدفئة الكهربائية باتت تستهلك جزءًا كبيرًا من الدخل الشهري، ما يدفع معظم السكان إلى تجنب استخدامها إلا في حالات الضرورة القصوى.
مشهد مختلف في دير الزور
يبدو المشهد أكثر تعقيدًا في محافظة دير الزور، بحسب ما أفادت نهى عزيز الحمادي، إذ تعاني الأسر من ارتفاع سعر المازوت في المدينة، ما يدفع العديد منهم إلى جلبه من مناطق الجزيرة، باعتباره أقل ثمنًا ويمكن تخزينه بكميات معقولة. وقالت نهى، إن سعر كيلو الحطب وصل إلى نحو 3500 ليرة، ما يجعل المازوت المستقدم من الجزيرة أوفر نسبيًا، لمن يملك القدرة على تأمينه. وأضافت أن توفر الحطب يعتمد على السوق اليومية، بينما يحتاج المازوت إلى قدرة مادية أعلى عند الشراء، لذلك تتوازن الخيارات بينهما تبعًا لدخل الأسرة وإمكانية التخزين.
وتقدم تالين الصالح صورة مكملة للمشهد، مشيرة إلى أن بعض الأهالي اتجهوا إلى التدفئة على الحطب، بينما يستخدم آخرون الثياب المستعملة (البالة)، بسبب ارتفاع سعر المازوت المحلي الذي يبلغ نحو 9000 ليرة لليتر الواحد. قالت تالين، إن المازوت القادم من الجزيرة، رغم انخفاض سعره إلى حدود 6000 ليرة، ليس خيارًا متاحًا للجميع، إذ يصعب تأمين وصوله إلى المنازل، إضافة إلى أن رائحته غير محببة. وترى أن ضعف الرواتب وغياب القدرة الشرائية يشكلان السبب الأكبر لمعاناة الأهالي في اتخاذ قرار التدفئة، إذ لا يملك كثيرون ترف المفاضلة بين الخيارات، بل يضطرون إلى استخدام ما هو في متناول اليد، مهما كانت جودته أو كفاءته.
وبينما تختلف خيارات السوريين حسب مناطقهم وقدراتهم، يبقى المشترك بينهم الاعتماد على حلول قصيرة المدى، في ظل غياب سياسة طاقة واضحة تخفف العبء عن المواطنين أو تتيح بدائل مستدامة.
شتاء المخيمات السورية.. بين البرد القارس ووقود البقايا
مع بداية الشتاء، تعود أزمة التدفئة في مخيمات الشمال السوري لتتصدر الواجهة، كواحدة من أكثر التحديات التي تربط بين الفقر والبرد والغياب شبه الكامل للدعم الإغاثي. وبينما تتنوع وسائل التدفئة في المدن وتظهر خيارات جديدة، يبقى الواقع داخل المخيمات مختلفًا كليًا، واقع لا تحكمه الخيارات بل الضرورة، ولا تحدده الأسعار وإنما ما يمكن إيجاده من بقايا المواد القابلة للاشتعال. ويتحول الشتاء في المخيمات إلى فصل بقاء، وتغيب طقوس اجتماع العائلة حول المدفأة، فالتدفئة هناك معركة يومية مع البرد، ومع روائح الاحتراق، ومع الخوف من أن تتحول خيمة إلى رماد في لحظات.
برد بلا دعم
في مخيم مزرعة شويحة بريف مدينة الباب شمال مدينة حلب، تنخفض درجات الحرارة سريعًا مع بداية الشتاء، بينما ترتفع حدة الأزمة التي يعيشها مئات النازحين الذين وجدوا أنفسهم هذا العام بلا أي مصدر حقيقي للتدفئة، إذ لم تصل دفعات الفحم المعتادة، ولم توزع أي منظمة مساعدات شتوية كما حدث في الأعوام السابقة. علي العسيني، أحد سكان مخيم مزرعة شويحة، قال لعنب بلدي، إن هذا الشتاء يعد الأسوأ لعائلات المخيم، إذ اختفت أبسط وسائل التدفئة المتاحة سابقًا. وكان المخيم في السنوات السابقة يحصل على دعم من بعض المنظمات التي توزع كميات محدودة من الفحم على العائلات، حيث يعطى كل منزل عدة أكياس قبل حلول الشتاء، لكن هذا الدعم لم يعد موجودًا هذا العام، ما زاد من معاناة السكان.
وأضاف علي أن الوضع العام داخل المخيم سيئ، ومع بقاء كثير من العائلات دون قدرة على الانتقال إلى مكان آخر، تبدو التدفئة بالنسبة لهم حاجة بلا أي وسيلة. من جانبه، قال يوسف فيصل حاج شيخ، أحد سكان المخيم كذلك، إن الشتاء يشكل تحديًا كبيرًا للعائلات داخل المخيم. وأضاف يوسف لعنب بلدي، أن معظم السكان لا يملكون وسائل تدفئة كافية، وأن الوضع في المخيم يظل سيئًا بسبب غياب الخدمات الأساسية التي قد تساعد في توفير الدفء. بالنسبة ليوسف، فإن الأزمة لم تعد مرتبطة بفصل محدد، بل بوضع عام يزداد سوءًا مع كل عام ينقص فيه الدعم، فالعائلات لم يعد لديها خيار سوى انتظار المساعدات أو مواجهة البرد بوسائل بدائية.
النفايات والنايلون كبديل
في مخيم الزيتون القريب من مدينة اعزاز شمالي حلب، تتكرر المشاهد ذاتها لكن بحدة أكبر، هناك، لا يتحدث الناس فقط عن غياب الوقود، بل عن طرق تدفئة تهدد حياتهم يوميًا. حسام الخلف، أحد سكان مخيم الزيتون، قال إن واقع التدفئة في المخيم هذا الشتاء أكثر قسوة مما يمكن للكلمات أن تصفه. كما يلجأ بعض السكان إلى استخدام فيول مسرب من محطات الوقود، أو حرق الزيوت المستعملة، ما يجعل الهواء داخل المخيم شديد التلوث، خصوصًا في الليل، ويشكل خطرًا صحيًا على السكان، ولا سيما الأطفال وكبار السن.
رائحة الاحتراق داخل الخيام تخنق السكان قبل أن توفر لهم أي دفء، حيث تطلق معظم المواد المستخدمة، من البلاستيك إلى الزيوت المستعملة، دخانًا سامًا داخل مساحات ضيقة تفتقر إلى التهوية. وكان الوضع أقل قسوة في السنوات السابقة، عندما كانت تصل شحنات الفحم إلى المخيم، وتوزع على العائلات لتأمين وسيلة تدفئة أساسية، أما هذا الشتاء، فقد توقف الدعم تمامًا، ما جعل العائلات أمام خيارين صعبين، مواجهة البرد القارس أو التعرض للدخان السام، دون وجود أي حلول آمنة، بحسب حسام.
ومع توقف برامج التوزيع الشتوي، اضطر النازحون هذا العام إلى إعادة تدوير المواد المتاحة حولهم وتحويلها إلى وقود، رغم أن هذه الوسائل لا توفر سوى دفء جزئي يترافق بخطر صحي كبير، يحرق صدورهم أكثر مما يدفئ أجسادهم. وقال أحمد المحمد الحسين، من مخيم بيرة كفتين بريف إدلب الشمالي، إن الوضع هذا الشتاء صعب للغاية، إذ لم تصل أي مساعدات أو دعم لتوفير التدفئة للعائلات حتى الآن. وأضاف أحمد أن هناك حاجة ملحة لتوفير وسائل تدفئة مناسبة، سواء من الحطب أو القشر أو أي بدائل أخرى، مع دعم عاجل للعائلات لمواجهة قسوة الطقس، إذ إن غياب أي دعم يجعل سكان المخيم يعيشون معاناة مزدوجة، البرد القارس والدخان الناتج عن احتراق المواد البديلة غير الآمنة.
تفاوت أسعار الطاقة يحدد اتجاهات السوريين
المازوت يتصدر المبيعات من جديد
تشهد الأسواق المتخصصة في بيع المدافئ بمختلف أنواعها نشاطًا متزايدًا لبيع مدافئ المازوت على حساب الحطب والغاز والكهرباء، وفق ما رصدته عنب بلدي خلال جولتها في سوقي المناخلية والمرجة وسط دمشق. وبحسب تجار، فإن انخفاض أسعار المازوت وتوفره مقارنة بالعام الماضي، جعل هذا النوع الخيار الأكثر عملية وأفضل صحيًا للأسر السورية، خصوصًا بعد ارتفاع أسعار البدائل، مع الحفاظ على تكاليف معقولة ومناسبة للمواطن.
ممثل شركة نجم الدين شرف للتدفئة، بيّن أن نسبة مبيعات صوبيات المازوت ارتفعت بما يتراوح بين 50 و75% مقارنة بالعام الماضي، وذلك نتيجة ارتفاع تكاليف الكهرباء واعتماد المستهلكين على البدائل الأقل تكلفة. كما أرجع زيادة الطلب على صوبيات المازوت إلى توسع نطاق البيع ليشمل محافظات أخرى، حيث يقصد الزبائن الشركة من خارج المنطقة لشرائها.
وبيّن وليد الحمصي، أحد التجار في سوق المناخلية، أن الطلب على مدافئ المازوت يتركز على المدافئ الشعبية المدورة، بينما المدافئ الصالونية لم تعد تحظى بشعبية كبيرة بسبب استهلاكها الكبير للمازوت، ما يجعلها أقل طلبًا في ظل الكمية المحدودة وارتفاع الأسعار سابقًا. وقال إن المازوت متوفر حاليًا بأسعار أفضل مقارنة بالعام الماضي، ما جعل وسائل التدفئة الأخرى، مثل الغاز أو الحطب أو الكهرباء، أقل فاعلية أو أكثر تكلفة، أو غير مناسبة للأطفال.
وأشار الحمصي إلى أن أغلبية المدافئ التي تُباع اليوم هي منتجات معامل خارج دمشق، إذ إن دمشق نفسها لا تزال تعتمد على بعض الورشات الصغيرة. وحول استهلاك المازوت، أشار ممثل الشركة إلى أن صوبيات المازوت تستهلك ما بين نصف ليتر وليتر في الساعة وفقًا لحجم الجهاز. أما المروحة (التوربو)، فلا تشكل عبئًا كهربائيًا كبيرًا، إذ لا يتجاوز استهلاكها نحو 20 واطًا، ما يجعلها خيارًا لا يزال مستخدمًا ولا يؤثر بشكل ملحوظ على فاتورة الكهرباء.
وبالنسبة لتكلفة المدافئ، بيّن الحمصي أن أسعارها مع البواري تتراوح بين 600 و700 ألف ليرة للمتوسطة، بينما لا تتجاوز حدود المليون ونصف المليون ليرة للمدافئ الأكبر، وهي أسعار مناسبة لمعظم الأسر السورية ذات الدخل المتوسط. وأكد أن الاختلاف بين هذه المدافئ لا يكمن في جودة الحديد المستخدم أو السماكة، بل في الزخارف الخارجية وتصاميم الأبواب وغيرها، في حين تبقى طريقة اشتعال النار وتشغيل المدفأة متقاربة بين جميع الأنواع.
بعض التصاميم الحديثة تركز على الشكل الجمالي، مثل الأغطية والزخارف على الأبواب، لكنها لا تؤثر على الأداء، وفق الحمصي، مشيرًا إلى أن بعض المواطنين لا يفضلون المدافئ ذات الأغطية لما يرتبط بها من تكلفة إضافية. وذكر أن بعض المدافئ المصنعة حديثًا اقتصرت على البساطة في التصميم لتخفيض التكلفة، مع الإبقاء على أداء جيد للمدفأة. كما تناول الحمصي تفاصيل تقنية صغيرة مثل التوربينات التي تُركب في بعض مدافئ الصالون لتوزيع الهواء الساخن، مؤكدًا أن هذه الأجهزة لا تؤثر على أداء المدفأة أو استهلاك الكهرباء بشكل كبير، وأن دورها يقتصر على توزيع الحرارة داخل الغرفة.
تراجع في سوق مدافئ الحطب
تراجع الطلب على مدافئ الحطب مقارنة بالسنوات الماضية التي شهدت طلبًا أوسع عليها نتيجة ارتفاع أسعار المازوت في حينها. أوضح الحمصي أن الطلب على مدافئ الحطب تراجع بشكل كبير داخل دمشق ليصبح أقل من 20%، بسبب ارتفاع تكلفته مقارنة بالمازوت، مع الإشارة إلى أن الريف البارد في بعض المحافظات ما زال يعتمد على الحطب بكميات محدودة، إذ يرى بعض السكان هناك أن استخدامه أكثر ملاءمة لاحتياجاتهم المتوفرة.
وذكر ممثل شركة نجم الدين شرف أن أغلبية مدافئ الحطب المتاحة في السوق تأتي بأشكال مختلفة، وتصنع من الحديد ثم يتم بخّها بمادة مت خاصة تتحمل حرارة قد تصل إلى 3000 درجة، ما يجعلها مناسبة للاستخدام الطويل دون أن تتعرض للتشوه أو التصدع. وأشار إلى أن أسعار هذه الصوبيات تعتمد بشكل أساسي على حجمها، وأن بواري الحطب عادة ما تكون أكثر سماكة من بواري المدافئ العاملة بالمازوت، مما يزيد من متانتها ويطيل عمرها الافتراضي.
مدافئ كهربائية باستطاعة خفيفة لكسر البرد
دفع ارتفاع أسعار الكهرباء شريحة من المواطنين لاستخدام وسائل التدفئة التي تعمل على الطاقة البديلة، إذ إن الكثير منهم متخوفون من وصول الفواتير وارتفاع التكاليف، لذلك يلجؤون إلى حلول أقل استهلاكًا للطاقة وأكثر اقتصادية. واتفق العديد من التجار، الذين قابلتهم عنب بلدي داخل سوق الكهرباء في المرجة، على أن المواطنين أصبحوا يعتمدون على أجهزة تدفئة تستهلك كهرباء أقل، بحيث يمكن الحصول على تدفئة فعالة من دون تحميل الشبكة عبئًا كبيرًا.
وتبدأ استطاعات المدافئ التي تعمل على الطاقة البديلة من 750 واطًا، وتعمل على نصف أمبير تقريبًا، وصولًا إلى ثلاثة أمبيرات، وبعضها أعلى قليلًا من ذلك. وأكد التجار أن هذا النوع من الأجهزة هو الأكثر طلبًا حاليًا، لأن المستهلك يبحث عن جهاز يحقق التدفئة المطلوبة مع استهلاك كهرباء منخفض. ويوفر هذا النوع من المدافئ تدفئة جيدة، تساعد في كسر الشعور بالبرد، بحسب تعبيرهم، فهي كافية لتدفئة غرف صغيرة، خصوصًا للأطفال صباحًا عند خروجهم للمدرسة، مع الاحتفاظ بحساب فاتورة الكهرباء ضمن حدود مقبولة.
الغاز.. تدفئة أسرع بتكلفة مقبولة
يعتمد بعض المواطنين على المدافئ التي تعمل على الغاز، لسرعة إشعالها وإعطائها الدفء، خاصة بعد توفر المادة في الأسواق بأسعار مقبولة. وحول أضرارها الصحية، أوضح التجار أن أنواع مدافئ الغاز متنوعة، إلا أنها جميعها تصدر رائحة عند التشغيل لأول خمس دقائق وبعد الإطفاء وهي ظاهرة طبيعية. وتختلف الأجهزة في نظام تشغيلها، فبعضها مزود بشمعات ثلاثية مع توربين، وبعضها يعتمد فقط على الفخارة، لتلبية احتياجات المستهلكين المختلفة.
وتكفي أسطوانة الغاز مدافئ الغاز، بحسب التجار، من 20 إلى 25 يومًا، في حال تشغيلها لمدة خمس ساعات يوميًا مع حماية غازية، ما يوفر حلًا عمليًا لمن يسعى لتدفئة مستمرة وفعالة.
التدفئة في سوريا.. معاناة تتعمّق واقتصاد يضيّق الخناق
في بلد كسوريا، يواجه تداعيات الأزمات الاقتصادية المتراكمة منذ أكثر من عقد، بات توفير الدفء في أشهر البرد رفاهية يصعب الوصول إليها لكثير من الأسر. وتختلف وسائل التدفئة المستخدمة بين منطقة وأخرى، لكن القاسم المشترك بينها جميعًا، هو أن تكلفتها أصبحت تفوق قدرة شريحة واسعة من المواطنين. ويتساءل سوريون حول كيفية تأمين مواد التدفئة، في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة، وواقع اقتصادي ضعيف.
تكاليف هائلة تتجاوز الدخل
تواصلت عنب بلدي مع خبيرين في الاقتصاد، لتقديم صورة أشمل عن أزمة التدفئة وتبعاتها الاجتماعية والمعيشية. قال الباحث الاقتصادي محمد السلوم، إن متوسط دخل الأسرة السورية اليوم يتراوح بين 150 و200 دولار شهريًا، وينخفض إلى 80 دولارًا لدى المتقاعدين وذوي الدخل المحدود، في حين أن الأسر التي تعتمد التدفئة على المازوت تحتاج شهريًا إلى كمية تتراوح بين 120 و150 ليترًا، أي بقيمة تبلغ نحو مليون ونصف مليون ليرة سورية، ما يساوي كامل دخل شريحة واسعة من المجتمع. وأضاف أن الاعتماد على الحطب أو قشور البذور أو الوسائل الأخرى، يتطلب مبلغًا يستحيل على أكثر من 70% من الأسر تحمّله.
هذه الأرقام يتقاطع معها تحذير الخبير الاقتصادي والأستاذ في جامعة دمشق الدكتور مجدي الجاموس، الذي أشار إلى أن 90% من السوريين كانوا يعتمدون سابقًا على المازوت للتدفئة، لكن تحرير الأسعار جعل سعر البرميل يتجاوز 200 دولار، ما دفع هذه المادة خارج قدرة معظم ذوي الدخل المحدود. وقال إن رفع تعرفة الكهرباء جعلها بدورها أغلى من المازوت، بينما تبقى الطاقة البديلة غير قادرة على توفير تدفئة حقيقية متواصلة ومستمرة طيلة اليوم.
سياسات حكومية تُثقل كاهل المواطن
السياسات الاقتصادية الحكومية التي تتمثل بتحرير أسعار مواد الطاقة للأهالي، وإلغاء الدعم للمواطنين كما كان معمولًا به في عهد النظام السابق كدعم 100 ليتر مازوت للعائلة بسعر 2000 ليرة سورية، خاصة لذوي الدخل المحدود، ولّدت أعباء معيشية صعبة على جيوب المواطنين. يرى الخبير الاقتصادي والأستاذ في جامعة دمشق الدكتور مجدي الجاموس، أن السياسات الاقتصادية الحكومية المتخذة، تميل لمصلحة التجار والمستثمرين على حساب الطبقات الفقيرة، خصوصًا بعد غياب الدعم عن قطاع التدفئة، ورفع أسعار النفط والكهرباء.
وبرأيه، يتجه المجتمع إلى انقسام واضح بين فئة تمتلك القدرة على شراء مواد التدفئة، وأخرى تجد نفسها عاجزة تمامًا رغم توفر المواد في الأسواق. أما الباحث الاقتصادي محمد السلوم، فأشار إلى أن فاتورة دعم الطاقة في سوريا تتراوح بين مليار و1.5 مليار دولار سنويًا، واعتبر أن إعادة هيكلة الدعم عبر برامج نقدية موجهة يمكن أن تخفف العبء عن الشرائح الأكثر هشاشة، بما يضمن تغطية 30-40% من تكاليف التدفئة المنزلية.
بدائل مكلفة
أكد الخبيران أن ارتفاع أسعار المازوت والكهرباء انعكس على كل البدائل، فالحطب ارتفع سعره هذا العام بشكل ملحوظ نتيجة ارتفاع تكاليف النقل وتقييد قطع الأشجار، في حين لجأت بعض الأسر إلى مواد خطرة مثل البلاستيك والزيوت المحروقة ومخلفات الورشات لتعويض نقص الوقود. ويرى الدكتور مجدي الجاموس أن التدفئة باتت رفاهية لدى بعض السوريين، بينما تقف شريحة واسعة من دون أي حلول حقيقية، خصوصًا مع غياب برنامج حكومي واضح لدعم هذا القطاع الحيوي.
تقرير للأمم المتحدة يشير إلى أن نسبة الفقر في سوريا تبلغ 90%، وبالمقابل متوسط دخل العائلة شهريًا لا يغطي تكاليف التدفئة. يعتبر الباحث محمد السلوم أن هذا الواقع يضع الأسر أمام شتاء صعب، بينما يرى الدكتور مجدي الجاموس أن رفع الأسعار تم من دون أي نية لدعم المواطنين، ما أدى إلى تراجع خطير في القدرة الشرائية وانخفاض استهلاك الطاقة.
حلول مقترحة… بين الدعم المباشر وإعادة الهيكلة
بين ارتفاع الأسعار وزيادة الطلب وتراجع القدرة الشرائية، يدخل السوريون موسمًا شتويًا جديدًا مثقلًا بالهموم، وبغياب أي بوادر تحسن الأوضاع المعيشية حاليًا، يخشى الكثيرون من أن يتحول البرد إلى تهديد مباشر للأسر الأشد فقرًا. وهنا، يقدم الخبيران الاقتصاديان، محمد السلوم ومجدي الجاموس، مجموعة من المقترحات، التي يمكن أن تحسن واقع التدفئة لدى الأهالي، أبرزها:
- إعادة هيكلة الدعم عبر تحويلات نقدية موجهة للأسر الأكثر حاجة، بشكل مباشر لضمان حصولهم على الدفء الأساسي.
- الاستثمار في الطاقة الشمسية وتطوير مدافئ عالية الكفاءة.
- توفير قروض صغيرة للأسر الريفية وزراعة الأشجار سريعة النمو.
- برنامج دعم حكومي واضح لمادة المازوت باعتبارها وسيلة التدفئة الرئيسة.
- استثمار الهبات النفطية، ومنها ما يقارب 1.6 مليون برميل من السعودية، في برنامج دعم مستعجل.
مع كل شتاء جديد، يُعاد رسم معاناة السوريين على خلفية البرد وغلاء الطاقة، حيث تتحول أبسط وسائل التدفئة إلى معركة يومية، وتهديد للصحة والسلامة. ويضطر الناس في المدن والمخيمات على حد سواء، للتكيف مع خيارات محدودة أو محفوفة بالمخاطر، بين المازوت والحطب والغاز، أو حتى مواد بدائية مثل القشور والكرتون. غياب الدعم الحكومي، وارتفاع الأسعار، وتفاوت القدرة الشرائية، يجعل الدفء رفاهية لا تصل إلى الجميع، ويترك الأسر الأكثر هشاشة في مواجهة الشتاء القاسي بلا حلول حقيقية.
وفي هذا الواقع، يبقى السؤال قائمًا: إلى متى سيستمر السوريون في البحث عن دفء آمن، في ظل اقتصاد يضغط على حياتهم وغياب سياسات واضحة لحمايتهم من أبسط مخاطر الطقس؟