السبت, 30 أغسطس 2025 10:50 PM

فيلم «بوغونيا»: يورغوس لانثيموس ينذر بالانهيار الإنساني الكبير من خلال الخيال العلمي

فيلم «بوغونيا»: يورغوس لانثيموس ينذر بالانهيار الإنساني الكبير من خلال الخيال العلمي

بقلم: شفيق طبارة

يبدأ فيلم «بوغونيا» («Bugonia») للمخرج يورغوس لانثيموس بمناقشة عالم النحل، حيث يعود مصطلح «بوغونيا» إلى الأساطير اليونانية القديمة التي تتحدث عن إمكانية ولادة النحل من جثة ثور ميت، كما ورد في قصيدة «زراعيات» لفرجيل. الفيلم يسلط الضوء على بداية اختفاء هذه الحشرات الثمينة ومجتمعها المنظم بسبب تدخل البشر، وهو ما يعرف بـ «اضطراب انهيار المستعمرة». وينتهي الفيلم على أنغام أغنية احتجاجية قاسية مناهضة للحرب بعنوان «أين ذهبت كلّ الزهور؟» («Where Have All The Flowers Gone?»)، التي كتبها بيت سيغر عام 1955، وغناها الكثيرون حول العالم.

في العمق، وتحت ستار الخيال العلمي والغرائبية، يكمن تأمل مرير يتسم بطاقة متعجرفة ومتناقصة، منحلة، ومضللة، ووحشية، ومستفزة، ومزعجة، ووقحة. يوجه المخرج يورغوس لانثيموس ضربات قاسية، ليس فقط تحت الحزام، بل أيضاً إلى نظريات المؤامرة وإلى المؤامرة نفسها.

يقدم الفيلم شخصيات عدائية تلتهم الروح في مناخ غريب بأبعاد غير متناسقة، نتيجة لمنهجية التشويه التي تستخدمها الكاميرا. يصمم المخرج اليوناني عالماً غير متوازن بشخصياته المنقحة والعدائية التي تلتهم الروح دون تردد، مع سلسلة من الهويات المفقودة والمسروقة، وحتى المخلوقات الفضائية. هكذا، يسجننا لانثيموس في كابوسه العقلي، ويفصلنا عن غرورنا وعن ذواتنا، ويولد ظلاً يطاردنا، ويقطع ذكرياتنا وسعادتنا وفهمنا للأشياء وللحياة، وحتى وجودنا كبشر على هذه الأرض.

يعتبر فيلم «بوغونيا»، الذي يعرض ضمن المسابقة الرسمية لـ «مهرجان البندقية» الحالي، إعادة تصوير لفيلم «أنقذوا الكوكب الأخضر» (2003) الكوري الجنوبي للمخرج جوان جون-هوان. وكان من المفترض أن يخرج جوان جون-هوان النسخة الأميركية التي كتبها ويت ترايسي، ولكن انتقل العمل بعد ذلك إلى يورغوس لانثيموس.

قصة «بوغونيا» بسيطة: يعتقد تيدي (جيسي بلمونز)، بطل نظريات المؤامرة، أن كائنات فضائية تكنّ أسوأ النوايا للبشر موجودة بيننا. يبحث تيدي على الإنترنت وفي نصوص لا تدعمها العلوم الرسمية، ولا يتبع المعلومات التقليدية التي تمليها السلطات.

من خلال تفكير دقيق، يحدد تيدي هوية ممثل شعوب أندروميدان المرعبة، وهي ميشيل فولر (إيما ستون)، الرئيسة التنفيذية لشركة أدوية متعددة الجنسيات، حيث يعمل تيدي في قسم الشحن. لطالما كان تيدي قلقاً بشأن صحة والدته، ومتأكداً من أن الشركة وراء مرضها المزمن، وأن ميشيل كائن فضائي أندروميدي متنكر جاء إلى الأرض بهدف إبادة البشر. لذلك، وبعد إقناع ابن عمه الأحمق دون (أيدان ديلبيس) بهذا الجنون، قرر الاثنان اختطافها لإجبارها على الاعتراف بأصولها ووقف أنشطتها المدمرة.

يركز الفيلم بشكل شبه كامل على هذه الجولة بين الضحية والجلاد، التي تنفجر فوراً في وجوهنا. ما يترتب على ذلك هو قتال قاسٍ لا يرحم، نفسياً وجسدياً: يرغب تيدي في أن تعترف ميشيل، بينما تكافح هي لجعله يعتقد أنه على حق، وهكذا حتى النهاية الأكثر عبثية ومفاجأة التي لا يمكن تخيلها.

في «بوغونيا»، نواجه مرة أخرى كوميديا سوداء تفكك نظرية المؤامرة والمجتمع والبشر والأفكار. إنها سينما مجنونة، ممتعة، خالية من القواعد، ولا شيء فيها مسلم به.

كل ما يحدث، مهما بلغ من الجنون، يخضع لطقوس لانثيموس المنحرفة. والفكرة هي إعطاء معنى (أو هراء) عن الصراع الطبقي، والتلاعب الإعلامي، ووعي المجتمع، ونظريات المؤامرة، وانقراض العالم، وعدد من القضايا الأخرى.

يبدع لانثيموس مجدداً بالسخرية والنكات والمبالغة الدموية، بخفة معينة مع بعض التقلبات والمنعطفات التي تضلل الجميع تدريجياً. في الفيلم، يندمج الواقع بالخيال والأقنعة بالأوهام والجنون، بينما يضع لانثيموس نفسه في خدمة قصة هي في الواقع شأن سياسي ومباشر إلى حد ما، ليخرج من بين يديه مانيفيستو للصراع بين طريقتين للتفكير في العالم، وديستوبيا تتحول إلى مبالغة غريبة مبهرة.

في «بوغونيا»، ينظر لانثيموس بطريقته الخاصة ويكشف أن التحلل البشري وصل إلى حد أن أجيال أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات حتى جيل اليوم، هم الأجيال الأخيرة المحتملة قبل الانهيار الأخير والكبير.

مشاركة المقال: