الأحد, 30 نوفمبر 2025 03:24 PM

الصين تفتح أبوابها لدمشق بشروط: شراكة اقتصادية وسياسية قادمة؟

الصين تفتح أبوابها لدمشق بشروط: شراكة اقتصادية وسياسية قادمة؟

عنب بلدي – راكان الخضر

زار وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، الصين في 17 تشرين الثاني الحالي، حيث التقى بنظيره الصيني، وانغ يي. وذكرت وزارة الخارجية السورية أن اللقاء تناول العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها. وسبق هذه الزيارة امتناع الصين عن التصويت على مشروع قرار في مجلس الأمن لشطب اسم الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، من قوائم العقوبات، وذلك في 6 تشرين الثاني.

يسعى هذا التقرير من عنب بلدي إلى فهم أسباب التأخر في انفتاح العلاقات السورية-الصينية، مقارنة بالدول الأخرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا. كما يهدف إلى استكشاف مدى نجاح زيارة الشيباني في كسر الجمود في العلاقات، وتوضيح أهم نتائجها ومخرجاتها، بالإضافة إلى الوقوف على أسباب الموقف الصيني في مجلس الأمن.

مسك العصا من المنتصف

بررت الصين موقفها من مشروع القرار المقدم إلى مجلس الأمن لرفع العقوبات عن الرئيس السوري، بأنه لا يلبي المبادئ والاعتبارات التي تراها ضرورية لتحقيق الاستقرار في سوريا ومكافحة الإرهاب. وأوضح المندوب الصيني الدائم لدى الأمم المتحدة، فو جونغ، في كلمته أمام مجلس الأمن في 6 تشرين الثاني، أن موقف الصين من مسألة العقوبات كان “واضحًا منذ البداية”، وأن أي تعديل في نظام العقوبات يجب أن يأخذ في الاعتبار “الوضع الأمني في سوريا، ومكافحة الإرهاب، والتأثيرات المعقدة التي قد تنجم عن أي تغيير، فضلًا عن المصالح طويلة الأمد والاحتياجات الفعلية للشعب السوري”.

وقال المندوب الصيني، إن على سوريا الوفاء بالتزاماتها في إطار مكافحة الإرهاب، واتخاذ إجراءات حاسمة للتصدي للأعمال الإرهابية وتهديد المقاتلين الأجانب، وبينهم عناصر “الحركة الإسلامية التركستانية الشرقية” (ETIM) الموجودون داخل الأراضي السورية، وهم من الأغلبية الإيغورية الصينية.

يرى الباحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات في واشنطن”، عمار جلو، أن امتناع الصين عن التصويت على قرار رفع العقوبات عن الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، كان رسالة صينية بترك الباب مفتوحًا للوصول إلى تفاهمات مع الإدارة السورية الجديدة. ولم يستبعد جلو وجود بعض التفاهمات بين الجانبين، بخصوص “الحزب الإسلامي التركستاني” الذي يشكّل القضية الأهم بالنسبة للصين في سوريا.

المحلل السياسي حسام طالب يرى بدوره أن الصين لديها بعض التباينات الداخلية، التي تمنعها من إعطاء كل ما تريده الحكومة السورية بشكل واضح، بسبب مشكلة المقاتلين الإيغور في سوريا، وهذا ملف ينعكس على الداخل الصيني، لذلك فإن الصين دائمًا ما تحاول أن تمسك العصا من الوسط، كي لا تظهر أن هناك اتفاقًا في هذا الشأن، الأمر الذي سيعني حينها أنها سمحت بتجاوز خطها الأحمر.

علاقة على أسس جديدة

لم يحمل اللقاء السوري- الصيني ذلك الزخم في العلاقات السورية- الأمريكية والسورية- الروسية، فعلى عكس المثالين السابقين اللذين شهدا زيارة الشرع إلى موسكو وواشنطن، وإجراء مباحثات مباشرة مع نظيريه الأمريكي دونالد ترامب، والروسي فلاديمير بوتين، اقتصرت زيارة بكين على وزير الخارجية، أسعد الشيباني، الذي التقى خلالها بنظيره الصيني، وانغ يي، دون أن يلتقي الرئيس، شي جين بينغ.

ويعتقد المحلل السياسي حسام طالب أن العلاقة السورية- الصينية تُبنى من جديد، خصوصًا أن الصين تعد من حلفاء النظام السابق، وقد استخدمت “الفيتو” أكثر من مرة في مجلس الأمن لمصلحة النظام، لذلك تحتاج العلاقة بين البلدين إلى بعض الوقت. ويرد طالب سبب غياب الزخم في العلاقة السورية- الصينية إلى غياب الدور الصيني الفاعل في الداخل السوري، الذي لا يمكن مقارنته بالدور الأمريكي والروسي.

لكن المحلل السياسي السوري لم يستبعد تطور الدور الصيني في سوريا مستقبلًا، خاصة في مجال البنية التحتية ومشاريع إعادة الإعمار. الأمر، من وجهة نظر طالب، تراتبي ويحتاج إلى بعض الوقت كي نلاحظ تحسن العلاقة، مشيرًا إلى أنها قد تتطور بشكل أفضل من العلاقة السورية مع الولايات المتحدة وروسيا.

من جهته، يعتقد الباحث عمار جلو، أن سبب تأخر الحكومة الصينية في الانخراط مع الدولة السورية الجديدة، يعود إلى عدم امتلاك الصين مشروعًا خاصًا في الشرق الأوسط يشبه المشروع الأمريكي المتمثل في الشرق الأوسط الجديد، مبينًا أن سياسة الصين الخارجية تقوم على مبدأ أساسي هو عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

كما أن العلاقة التي كانت تربط الصين بنظام الأسد، برأي جلو، ولّدت لديها تخوفًا على مصالحها في سوريا من التعرض لهزات عنيفة كما حدث في ليبيا. الباحث جلو يعتقد أن هذه الأسباب دفعت الصين إلى تقارب حذر مع سوريا، تمثل في التأكيد على وحدة سوريا في بياناتها الرسمية، دون الانخراط في الاستثمارات الاقتصادية.

محادثات “بنّاءة”

أصدرت وزارتا الخارجية السورية والصينية بيانًا مشتركًا في 17 من تشرين الثاني، عقب اللقاء الذي جمع وزيري خارجية البلدين. وبحسب البيان الذي نشرته وزارتا الخارجية السورية والصينية، فإن المحادثات بين الجانبين كانت “بنّاءة”، وتمّ خلالها تبادل وجهات النظر حول العلاقات الثنائية والقضايا ذات الاهتمام المشترك.

وشدد الطرفان على أهمية الصداقة بين البلدين والشعبين، مؤكدين الالتزام بالحفاظ عليها وتطويرها بما يخدم مصالحهما، مع مراعاة السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لكل طرف، واستمرار التشاور ضمن المنظمات والمحافل الدولية.

وأشار البيان إلى استعداد الجانبين لتعزيز التعاون في المجالات الاقتصادية والتنموية وإعادة إعمار سوريا، وبناء القدرات وتحسين مستوى معيشة المواطنين السوريين، كما تم التأكيد على مكافحة الإرهاب بجميع أشكاله وتعزيز التنسيق الأمني بين البلدين، إضافة إلى أهمية منتدى التعاون الصيني- العربي في دعم التعاون الجماعي بين الصين والدول العربية.

يرى المحلل السياسي حسام طالب أن زيارة وزير الخارجية السوري إلى الصين كانت ناجحة في كسر جمود العلاقة، مشيرًا إلى أن البيان المشترك بين وزارتي الخارجية السورية والصينية ركز على عدة نقاط مهمة، من بينها التأكيد الصيني على وحدة الأراضي السورية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية السورية.

ورغم عمومية البيان بالمجمل، من وجهة نظر طالب، فإنه كان يؤكد على الثوابت السورية، وهو أمر تحتاج إليه الحكومة السورية في رفع أسهمها داخليًا وخارجيًا. الباحث عمار جلو، يرى أن الزيارة نجحت في كسر جمود العلاقة بشكل ملموس، مشيرًا إلى أن اللافت في البيان المشترك لوزارتي الخارجية هو التأكيد على مكافحة الإرهاب، الأمر الذي يحمل تطمينًا من الجانب السوري تجاه بعض التخوفات الصينية من أنشطة محتملة لـ”الحزب التركستاني الصيني”، ضد بعض المصالح الصينية في سوريا والمنطقة.

جلو يعتقد أن التطمينات السورية في هذا الجانب كانت مقبولة لجميع الدول ومنها الصين، بأن سوريا لن تكون ممر عبور أو منطلقًا لعمليات إرهابية ضد أي دولة من دول الجوار، أو الدول الأم للمقاتلين الأجانب الموجودين في سوريا.

خيار دبلوماسي ناجح

أكد الجانب السوري، بحسب البيان، موقفه الداعم لمبدأ “الصين الواحدة”، واعترافه بسيادة الحكومة الصينية، بما في ذلك رفض أي تدخل في شؤونها الداخلية، ودعمه لجهود الحكومة الصينية في تحقيق إعادة التوحيد الوطني.

وحول إمكانية تأثير هذا الموقف السوري على العلاقات مع الحكومات الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، لم يرَ الباحث عمار جلو، أي تأثير للاعتراف السوري بمبدأ الصين الواحدة على العلاقات السورية مع الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة، لأن أغلب دول العالم تعترف بهذا المبدأ، ولا يتجاوز عدد الدول المعترفة بجزيرة تايوان تسع دول، تناقصوا في الفترة الأخيرة إلى ست أو سبع دول على مستوى العالم.

ويرى الباحث جلو أن الدبلوماسية السورية نجحت باختيار هذا المسار، خاصة في ظل الفرص لدخول استثمارات صينية كبيرة إلى السوق السورية، إضافة إلى احتمالية الحصول على الدعم السياسي والدبلوماسي من قبل بكين في المحافل الدولية.

ويتفق المحلل حسام طالب مع موقف الباحث عمار جلو، بعدم تأثير الاعتراف السوري بمبدأ الصين الواحدة على العلاقات السورية- الأمريكية. ويرد طالب السبب في ذلك إلى معرفة جميع الحكومات بالواقع والتباينات السورية، مشيرًا إلى عدم استبعاد وجود تفاهم سوري- أمريكي بخصوص هذا الموضوع، لكسر جمود العلاقة بين سوريا والصين، وإبعاد أي حالة عدائية قد تنتج بين البلدين في حال اتخاذ موقف مخالف.

مشاركة المقال: