عنب بلدي – مارينا مرهج يشهد قطاع الأسمنت في سوريا نشاطًا استثماريًا ملحوظًا في الأشهر الأخيرة، مع دخول شركات عربية وخليجية للاستثمار في تأهيل وتطوير مصانع الأسمنت الحكومية والخاصة، بالإضافة إلى تأهيل الكوادر. يأتي ذلك في ظل الحاجة المتزايدة لهذه المادة الأساسية لإعادة الإعمار وترميم البنى التحتية والمنازل.
وقعت وزارة الاقتصاد والصناعة مؤخرًا اتفاقًا مع شركة "A³&Co" الإماراتية لتطوير قطاع الأسمنت، وسبقه توقيع اتفاق مع مجموعة "أسمنت الشمالية" للاستثمار في معمل أسمنت "عدرا"، مما يعكس الاهتمام المتزايد بهذا القطاع وأهميته في مرحلة إعادة الإعمار.
العقد الإماراتي لتطوير معمل "حماة"
وقعت وزارة الاقتصاد والصناعة في 18 آب الحالي اتفاقًا مع شركة "A³&Co" الإماراتية المتخصصة في صناعة الأسمنت والاستدامة، بهدف تطوير قطاع الأسمنت في سوريا. يشمل الاتفاق تأهيل وتطوير خط الإنتاج الثالث في معمل أسمنت "حماة"، الذي أُنشئ عام 2009 بتقنية أمريكية حديثة.
أوضح مدير المؤسسة العامة لصناعة وتسويق الأسمنت ومواد البناء (عمران)، محمود فضيلة، لعنب بلدي، أنه تم اختيار هذا الخط لكونه الأكثر جدوى فنيًا واقتصاديًا مقارنة بالخطوط الأخرى، حيث يتميز بمرونته وقدرته على إنتاج أكثر من 12 صنفًا من الأسمنت وفقًا للمواصفات السورية والأوروبية. وأشار إلى أن العديد من المعامل الأخرى قديمة ومتهالكة، ما يجعل ضخ أموال إضافية فيها غير مجدٍ.
لا تقتصر الاتفاقية مع الشركة الإماراتية على إعادة التأهيل الفني، بل تتضمن دورًا استشاريًا استراتيجيًا، حيث ستكون الشركة مستشارًا استراتيجيًا لوضع خارطة طريق لتطوير الصناعة، واقتراح سياسات واستراتيجيات متوافقة مع المعايير العالمية للاستدامة، من خلال إدخال تقنيات الأتمتة والتحكم الآلي والذكاء الاصطناعي، ورفع مستوى الإنتاجية والجودة.
وذكر فضيلة أن المشروع سيبدأ بمرحلة تشخيص للوضع الفني والإداري، ثم الانتقال إلى التعافي عبر تدريب العاملين على معايير دولية في الإدارة والصيانة والأمن الصناعي وحماية البيئة. كما يستهدف تدريب نحو 80 عاملًا ومهندسًا في معمل "حماة" بالتعاون مع وزارات الصناعة والبيئة، مع خطط لإيفاد مهندسين إلى الخارج ضمن بعثات تدريبية، بالإضافة إلى مذكرات تفاهم مع شركات مصنّعة لتدريب الكوادر السورية.
وأشار فضيلة إلى أن عدد الخبراء المحليين المتخصصين في صناعة الأسمنت لا يتجاوز 30 مهندسًا، معظمهم من كبار السن، ما يجعل تأهيل كوادر شابة ضرورة حيوية. وتمتد الاتفاقية لمدة سنة قابلة للتجديد، وتشمل أيضًا تحديث المخابر وضمان إجراء اختبارات دقيقة للمنتج المحلي، وإنشاء مركز تدريب دائم لصناعة الأسمنت، يخدم القطاعين العام والخاص، ويهدف إلى إعداد جيل جديد من الفنيين والمهندسين القادرين على قيادة المعامل القائمة والجديدة، خاصة مع وجود مشاريع لتشييد نحو عشر منشآت أسمنتية مستقبلًا.
وكان معمل أسمنت "حماه" قد أعلن في 17 تموز الماضي عن تركيب ماكينة تعبئة بصناعة ألمانية حديثة من طراز "هافر" تعمل بطاقة إنتاجية تصل إلى 120 طنًا في الساعة، وتعتمد نظام تعبئة دوّارًا متكاملًا، وفقًا لما صرح به مدير المعمل، عمار الشيخ، لوكالة الأنباء السورية (سانا).
السعودية تنخرط في قطاع الأسمنت
سبق توقيع الاتفاق مع الشركة الإماراتية استقبال وفد تقني من السعودية، ممثلًا بمجموعة "أسمنت الشمالية"، في معمل أسمنت "عدرا"، في إطار تنفيذ مذكرة التفاهم الموقعة بين الطرفين خلال منتدى الاستثمار السوري- السعودي في تموز الماضي. وضم الوفد خبراء ومهندسين مختصين في التشغيل والصيانة وتطوير خطوط الإنتاج، حيث قام بجولة ميدانية على أقسام الطحن والتعبئة، واطلع على الواقع الفني والتشغيلي للمعمل.
كما ناقش مع الجانب السوري خطوات رفع الطاقة الإنتاجية وتحسين جودة المنتج، والبدء بتجارب عملية لإنتاج الأسمنت "البوزلاني" (Cem II) محليًا، بالإضافة إلى تنفيذ برامج تدريبية متخصصة للكادر الفني السوري، وتوريد "الكلنكر" اللازم لعمليات الطحن، وتقديم الاستشارات الفنية والدعم اللوجستي.
قال مدير عام المؤسسة، محمود فضيلة، لعنب بلدي حينها، إن هذه الزيارة تمثل انتقالًا من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ، مؤكدًا أن التعاون مع "أسمنت الشمالية" يمنح صناعة الأسمنت السورية بعدًا تقنيًا متقدمًا، خاصة عبر تدريب الكوادر المحلية على أحدث التقنيات. وأشار فضيلة إلى خطة استراتيجية للتحول إلى منافس قوي في السوق المحلية، عبر إنتاج أنواع أسمنت مطابقة للمواصفات العالمية، في ظل تحديات الطاقة وضعف خطوط الإنتاج وغياب الكفاءات.
وكانت السعودية وسوريا قد وقعتا على مذكرة تفاهم بين المؤسسة العامة لصناعة الأسمنت (عمران) ومجموعة الشمالية لصناعة الأسمنت السعودية، خلال منتدى الاستثمار السوري- السعودي، في 24 تموز الماضي.
تحديات قطاع الأسمنت
صناعة الأسمنت تعد من الصناعات الأساسية في مرحلة إعادة الإعمار، خاصة مع الدمار الكبير الذي أصاب البنية التحتية وقطاع البناء، بحسب ما قاله الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش، لعنب بلدي. وواجهت صناعة الأسمنت العديد من المشكلات والعقبات، أهمها ارتفاع تكلفة الوقود التي شكلت نحو 65% من التكاليف الإجمالية، وارتفاع تكاليف الصيانة وصعوبة تأمين قطع التبديل، إضافة إلى معوقات تتعلق بتسويق وتوزيع المادة، وتضارب القرارات المتعلقة بالمخططات التنظيمية وضوابط البناء وتعليماته التي كانت تؤثر على حجم الطلب، بالإضافة إلى مشكلة التلوث والأثر البيئي لهذه الصناعة.
وأضاف عياش أن صناعة الأسمنت في سوريا تتمتع بالعديد من المزايا التنافسية، أهمها توفر المواد الأولية، فوفقًا لبيانات مؤسسة الأسمنت والعمران، توجد في سوريا خامات الأسمنت الرئيسة (الحجر الكلسي، البازلت، اللاتيريت) في مواقع متجاورة ضمن مناطق عديدة، وتكفي احتياطيات هذه الخامات في المواقع المدروسة لصناعة الأسمنت بطاقة خمسة ملايين طن سنويًا، لمدة 75 عامًا.
خطوة إيجابية لسد الفجوة
يرى الخبير الاقتصادي، الدكتور مجدي الجاموس، أن توجه الحكومة الانتقالية في سوريا اليوم نحو استقطاب بعض الدول العربية والإقليمية، يأتي في إطار تفاهمات سياسية، ما يجعل بعض المعامل ذات الأهمية الاقتصادية تُطرح كجوائز ترضية لهذه التفاهمات. وأشار إلى أن الحكومة تسعى نحو تكوين اقتصاد استثماري وبيئة جاذبة لرؤوس الأموال الخارجية، بمعزل عن الواقع المتردي للبنية التحتية، أكثر من اعتمادها على الإنتاج المحلي أو ترميم المؤسسات القائمة.
ويعتبر الجاموس أن طرح معامل الأسمنت للاستثمار خطوة إيجابية، حتى لو كانت على حساب القطاع العام المحلي، بالنظر إلى الحاجة الكبيرة لهذه المادة في مرحلة إعادة الإعمار أو ترميم المنازل، إذ يقدّر الطلب على الأسمنت في السوق السورية من 10 إلى 15 مليون طن سنويًا، ولا يغطي الإنتاج المحلي مع المستورد سوى أقل من 50% من هذه الحاجة.
وتتطلب الفجوة الكبيرة تشغيل عدد أكبر من المعامل، وإعادة استثمار المعامل القائمة رغم ضعف بنيتها التحتية ونقص مصادر الطاقة مثل الكهرباء، بما يسمح بخلق منتج تنافسي في مواجهة الأسمنت المستورد منخفض السعر. وأكد الجاموس أهمية أن تتضمن الاتفاقيات الاستثمارية مع الشركات العربية والأجنبية الحفاظ على الخبرات السورية وإعادة تأهيلها، ودمجها مع الخبرات الأجنبية، لتكون جزءًا فاعلًا في المرحلة المقبلة، والحفاظ على إنتاجية ما تبقى من معامل أسمنت تتبع للقطاع العام الحكومي.
تأثير الاستثمارات على السعر
رغم العلاقة الطردية بين ارتفاع الطلب والسعر، يعتقد الخبير الاقتصادي مجدي الجاموس، أن ارتفاع الطلب على مادة الأسمنت في سوريا، لن يؤثر بشكل كبير على ارتفاع سعره في السوق. ويرجع ذلك إلى عوامل عديدة، أهمها أن الطلب المتزايد قادر على استيعاب أي تغيرات سعرية، حتى في حال حدوث ارتفاع في الأسعار (وهو أمر غير مرجح برأيه)، ووجود استيراد من دول مجاورة يفرض سقفًا معينًا للأسعار على المستثمر الالتزام بها. كما أن دخول بعض المعامل إلى الاستثمار سيخلق حالة تنافسية جديدة، ما يساعد على ضبط الأسعار أو حتى خفضها.
ويُعزز ذلك الإجراءات الحكومية المصاحبة، مثل الضوابط الأمنية وخفض أو إلغاء الضرائب على الأسمنت، مما يقلل التكلفة الإجمالية ويجعل السعر أكثر تنافسية. وأي ارتفاع للأسعار، سيكون ضمن حدود معقولة ومتوازنة مع زيادة الطلب على المنتج، وفق الجاموس.
رغم التحديات الكبيرة التي تواجه قطاع الأسمنت في سوريا، من ضعف البنية التحتية إلى نقص مصادر الطاقة وارتفاع تكاليف التشغيل، فإن المرحلة المقبلة قد تكون أكثر استقرارًا وكفاءة، من خلال الاعتماد على شراكات استراتيجية واستثمارات مدروسة، مع التركيز على الكوادر المحلية كركيزة أساسية لاستدامة القطاع ودوره الحيوي في مرحلة إعادة الإعمار وترميم البنية التحتية.